منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مذكرة بناء السلم في مالي - الفرص و التحديات -
من طرف salim 1979 السبت يونيو 09, 2018 12:31 am

» تفاءل يا أخ الأحزان، فإن النصر في الصبر
من طرف ahlm22 السبت مايو 26, 2018 5:09 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2017
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:58 pm

» التنافس الدولي على الموارد الطبيعية في افريقيا بعد الحرب العالمية الثانية
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:57 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2018
من طرف salim 1979 الجمعة مايو 25, 2018 7:03 pm

» الحرب وضد الحرب
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:51 pm

» التحول والانتقال الديمقراطي: النسق المفاهيمى
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:46 pm

» تحميل الثقافة العالمية العدد 177
من طرف salim 1979 الخميس أبريل 12, 2018 3:53 pm

» أعداد مجلة المعرفة السورية
من طرف salim 1979 الإثنين أبريل 02, 2018 9:23 pm

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ

شاطر | 
 

 الديبلوماسية، التحليل، وصنع القرار – الحاجة الى نموذج جديد

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أكرم الحوراني
وسام التميز
وسام التميز


الدولة : سوريا
عدد المساهمات : 239
نقاط : 489
تاريخ التسجيل : 17/09/2013

مُساهمةموضوع: الديبلوماسية، التحليل، وصنع القرار – الحاجة الى نموذج جديد    الثلاثاء أبريل 05, 2016 7:55 am

[rtl]الديبلوماسية، التحليل، وصنع القرار – الحاجة الى نموذج جديد [/rtl]
[rtl]بقلم بروس بايرز / American Diplomacy ـ 19 – 10 – 2011[/rtl]
[rtl]بروس بايرز : مسؤول متقاعد في " الخدمة الخارجية" ( Foreign Service) شغل مهاماً في طهران، مومباي، كابول ومراكز أوروبية عديدة. عمل أيضاً في مانيلا قبل عودته الى واشنطن وتعيينه في وزارة الخارجية. كان منخرطاً في الشؤون الثقافية والمعلوماتية في " وكالة المعلومات الأميركية" (SIA)  قبل نقله الى وزارة الخارجية عندما تم دمج SIA في الخارجية في العالم 1999.

 
كشفت وثائق ويكيليكس 2010  المنشورة والمتعلقة ببرقيات سرية صادرة عن وزراة الخارجية الأميركية سجلاً متسقاً ودقيقاً لـ " الخدمة الخارجية" ( Foreign Service)، التي ترسل تقاريرها من مراكز بعيدة عبر البحار. وفي حين هزت المنشورات الغير متوقعة عدداً من الناس في مؤسسة السياسة الخارجية في واشنطن بحيث أدركوا وإعترفوا بأن بإمكان فاعلين غير معروفين فرض تأثير على السياسة الخارجية الأميركية من دون إنذار، فإنهم لم يكشفوا عن أية إخفاقات كبرى في التقارير المرسلة من الميدان. إذا كان هناك من أمر ما، فهو أن التسريبات قد كشفت عن انقطاع الاتصال بين التقارير الديبلوماسية وعملية الصياغة السياسية لواشنطن. وهذا يعود، في جزء كبير منه، الى سلسلة من القرارات والخطوات الناقصة في واشنطن كانت قد بدأت بإجراءات أمنية زلقة.
يعتبر أسامة بن لادن وويكيليكس، جزئياً، مخلوقين من صنع الولايات المتحدة. ففي الثمانينات شارك بن لادن بصفته مجاهداً عربياً في الحرب المدعومة أميركياً ضد السوفيات في أفغانستان. بعد محاربته " الشيوعيين الكافرين بالله"، تحول بن لادن ضد الولايات المتحدة بسبب وجودها العسكري في العربية السعودية و تدنيسها المزعوم للإسلام. ففي حين أن بن لادن قد حمل السلاح مع حلفائه ضد الولايات المتحدة، فإن أعضاء ويكيليكس والداعمين لها هم، بطريقتهم الخاصة، أعداء للسياسة الأميركية. لقد تحدوا الأمن الإلكتروني الأميركي وعملوا على تصوير أنفسهم كمصب عام لمعلومات سرية قد تكشف عن أساليب العمل الداخلية للديبلوماسية الأميركية وما هو أكثر من ذلك للعالم.
ما هو مثير للسخرية أن عمليات الفضح كانت شكلاً غير مفوض ومصرّح به لـ " الديبلوماسية العامة" والتي أدخلت عنصر فوضى على المسرح الدولي. فقد كشف النشر لإتصالات سرية مختارة عن بعض الجوانب والأوجه الخفية للعلاقات الديبلوماسية بين دول ذات سيادة في عصر " الشفافية العالمية". لن يكون معظم الديبلوماسيين مندهشين بقراءة نشرات ويكيليكس بما أن جمع وتحليل المعلومات حول نشاطات الحكومات الأخرى وقادتها هو من مسؤولياتهم الأولية والرئيسة. من المبكر جداً القول ما هي العواقب الأخرى التي قد تنجم عن نشر ويكيليكس، إلا أن خبراء رفيعي المستوى في السياسة الخارجية يرون الآن حاجة جدية للإصلاح في إستراتيجياتنا الديبلوماسية الدولية.
يعتبر جماعة ويكيليكس أفعالهم منطقية في عالم يعتبرونه مهيمناً عليه من قبل نخب سياسية نصبت نفسها عليه والتي تحدد مصير ملايين المواطنين العاديين من دون أن تجرب هذه النخب الأحداث الصادمة التي أعاقت وحتى مزقت مجتمعات أخرى تمزيقاً شديداً. وفي حين أن لدى هؤلاء قصر نظر في الحكم على الديبلوماسية الأميركية، متجاهلين إنجازاتها الإيجابية العديدة، خاصة في مناطق أزمات كالقرن الأفريقي، يبدو المسربون عازمين على إثارة جدل بإسم " الشفافية" ضمن وبين المؤسسات التي طالما هيمنت على السياسة الخارجية حول العالم.
لقد فضحت تسريبات ويكليكس عن توجه قديم في عمليات صياغة وتركيب السياسة الخارجية الأميركية بالنظر الى العالم والأحداث من خلال منظار إنحيازنا الثقافي والسياسي للحكم على ما يحدث في مجتمعات وحكومات أخرى بناء على هذا الأساس. في نفس الوقت، يظهر عدد من البرقيات المسربة بأن الديبلوماسيين الأميركيين كانوا دقيقين، مجتهدين، ومواظبين في إرسالهم التقارير حول الأحداث عبر البحار. كانوا يقومون بعملهم بإبلاغ وزارة الخارجية ووكالات حكومية أخرى عن التطورات المفاجئة والتوجهات على المدى المتوسط والطويل.
كانت تقاريرهم، أحياناً، تجري بعكس تيار السياسات الراسخة، لكن عملهم هو إبلاغ واشنطن عما يحدث في مجتمعات وحكومات أخرى بدلاً من الإنقياد الى الأذواق السياسية في لحظة راهنة ما. كما أنهم يرسلون التقارير عن الكيفية التي يُنظر بها الى السياسات والنشاطات السياسية الأميركية في الخارج.
2.
ليس خبراً جديداً أن قراصنة الإنترنت يشكلون تهديداً متنامياً لسلامة الإتصالات الديبلوماسية الآمنة. فالأمر الأشد خطورة هنا هو أنهم يتحدون فرضياتنا حول البيئات المعلوماتية الدولية وحدود الديبلوماسية. إن التسريبات هي إحدى نتائج العقلنة المنهجية البالغة لأجل توفير المال وتبسيط تدفق المعلومات الحساسة. وكما أظهرت الأحداث، كان أمن شبكة SIPRNet) Secrete Internet Protocol Roter Network)، أي موجه بروتوكول الإنترنت السري الذي طورته وزارة الدفاع الأميركية، يشبه أمن أضعف رابط في سلسلة أولئك الذين إستخدموها وقاموا بحمايتها. فبالنسبة لكل التقسيمات العالية السرية داخل الوحدات المختلفة في وزارة الخارجية، تمكن جيش خاص متمركز عبر البحار ليس فقط من الدخول ونشر إتصالات عسكرية وإنما نشر مئات آلاف البرقيات الديبلوماسية.
إن التسريبات إشارة على تنظيم مجهد ومزخرف في حكومتنا بإمكانه الوصول الى نقطة من عدم الإستقرار الخطير. فمرتكبو التسريبات يزعمون بأنهم يتصرفون بشكل أخلاقي ضد قادة سياسيين  يشعرون بأنهم غالباً ما يتصرفون بشكل لا أخلاقي وبلا مبالاة. إنهم قوارض يشغلون ما يشبه متاهة منظمة من الدول والحكومات يكافح مسؤولوها للحفاظ على منظومة معلومات حساسة آمنة بإسم السياسة الخارجية والإستقرار الدولي.
في مناقشة تمت يوم 16 آب في " جامعة الدفاع الوطني " في واشنطن، أكد كل من وزيرة الخارجية كلينتون ووزير الدفاع بانيتا على الحاجة إلى وجود تنسيق أفضل لكل الجهود للحفاظ على قوة الأمن القومي الأميركي. وأكد كلاهما على أن الولايات المتحدة قوة عالمية بحيث أن أية إقتطاعات جذرية في موازنة الأمن القومي وموارده يمكن أن يشل الولايات المتحدة بشدة، سواء في أفغانستان، العراق، باكستان، غرب الباسفيك، أو في مناطق أخرى من العالم +. هذا الأمر سيؤدي الى حالة من عدم الإستقرار الدولي أكبر. ويدرك كل من وزير الدفاع بانيتا ووزيرة الخارجية كلينتون بأن الإنخراط الخارجي الأميركي أمر ضروري، وغالباً ما يكون صعباً جداً، ويتطلب موارد كافية للإحتفاظ بالقدرة على التعامل مع أزمات دولية غير متوقعة. وقد عبَّرا عن وعي شديد بخصوص رهانات الولايات المتحدة في أفغانستان ومناطق خطيرة أخرى في العالم. وصرحا بأنه لا يمكن للولايات المتحدة أن تطوي خيامها وتقفل راجعة. وشددا على القول بأن تخفيضاً مفاجئاً في مخصصات مجلس الشيوخ لقطاعي الديبلوماسية والدفاع القومي سيكون له إرتدادات شديدة على الأمن المحلي والعالمي الأميركي وسيرسل رسالة الى الحلفاء والخصوم،على السواء، بأنه لم يعد بالإمكان الإعتماد على الولايات المتحدة للعب دور كبير ورئيس في تعزيز الإستقرار الدولي.
شددت وزيرة الخارجية كلينتون على أن النتائج مؤثرة أكثرمن الكلام بكثير وبأنها مع وزير الدفاع بانيتا يعملان معاً لتخفيض إنفاق الهدر، تبسيط البرامج المختلفة، وتحقيق دمج أكبر والتوفيق بين النظم المختلفة للمعتقدات الموجودة في السياسة الخارجية الأميركية والدفاع الوطني. وقالت كلينتون بأن هذا الأمر يستلزم وقتاً وموارد. وشدد وزير الدفاع بانيتا على أن المهمات الديبلوماسية والتطويرية لوزارة الخارجية و SAID حيوية لإستمرار وثبات الإنجازات التي أمنتها القوات الأميركية في مناطق أزمات مختلفة من العالم. وعبّر كلاهما عن تفانيهما تجاه أهداف السياسة الخارجية الأميركية الحالية والطويلة الأمد. وحددت الوزيرة كلينتون الحاجة الى تطبيق " قوة ذكية" في المهمات الديبلوماسية والعسكرية الأميركية في الخارج. أما السؤال فهو: هل سيصغي الناس الأسوياء ويستجيبون لكلماتهما؟
في كتابه الصادر عام 2009، " العصر الذي لا يُتخيل: لِم تفاجئنا فوضى العالم  الجديدة على الدوام وما الذي يمكننا فعله بشأن ذلك؟ ( The Age of the nthinkable: Why the New World Disorder Constantly Srprises s and What Can We Do Abot It? ) يحاجج "جوشوا كوبر" القراء لنبذ طرق التفكير التقليدية بشأن العلاقات الدولية. ففي أحد فصول الكتاب يناقش "كوبر" عمل الفيزيائي والرياضي الدانماركي " بير باك،" الذي طور في التسعينات فرضيات بخصوص نماذج  حرجية (خطورة) التنظيم الذاتي. مستخدماً حسابات رياضية، قام " بير باك " بإختبار لأكوام رمل ليرى عند أية نقطة ستولد كومة رمل إنهياراً مفاجئاً. كان هدفه دراسة علاقة التوتر الموجودة بين الحفاظ على الإستقرار والوصول الى نقطة حافة عدم الإستقرر. لقد علم بأن ما بعد مرحلة حرجية التنظم الذاتي، لا بد وأن تحدث إنهيارات. لم يكن بإمكان " باك " التنبؤ بتكرار أو حجم هذه الإنهيارات، لكنه علم بأنها يمكن أن تحدث ما أن يؤدي عدد حاسم من حبات الرمل الى رفع مخروط الرمل الى إرتفاع معين. لم يكن بإمكانه القول متى يمكن الوصول الى هذه النقطة الحرجة أو أين سيحدث الإنهيار في المخروط. كان قادراً على القول فقط بأنه يمكن أن يكون هناك نقاط مختلفة، لكنه لم يتمكن من القول ما الذي كان يحدث داخل ذلك المخروط الرملي أو أين توجد الديناميكيات العميقة.
إن لفرضيته أهمية كبرى بالنسبة لتحليل السلوك الإجتماعي والسياسي في مجتمعات مختلفة. فالنقاط الحرجة تختلف إعتماداً على حشد من العوامل الثقافية وعوامل الأخرى داخل مجتمعات فردية والتي لا تقع بالضرورة تحت سيطرة قادة وطنيين أو حكومات منتخبة ديمقراطياً. فالتظاهرات الشعبية الأخيرة الجارية في اليونان، مصر، سوريا، اليمن، ليبيا وبلدان أخرى على حافة إنهيار فائق الخطورة هي أمثلة عن هذا الأمر. وتظهر أعمال الشغب المفاجئة والمدمرة في لندن ومدن بريطانية أخرى في آب بأن إنهيارات من هذا النوع تحدث حتى في البلدان الديمقراطية. إن مهمة  "الخدمة الخارجية" ( Foreign Service) هي البحث عن العوامل التي بإمكانها أن تؤدي الى أوضاع فائقة الخطورة ودرسها لصنع إستدلالات إستخباراتية منها حول مسائل قد لا تكون ظاهرة بسهولة.
تبدو التظاهرات الشعبية ضد الحكام السلطويين وسياساتهم وأفعالهم منطقية، على مستوى من المستويات. فالناس يريدون العيش في بيئة مستقرة وسلمية لكن ليس في بيئة تحُد للغاية من خياراتهم بحيث لا يرون أملاً لمستقبل أفضل. على المستوى الآخر، وكما رأينا في أحداث جرت في سوريا، قد تبدو التظاهرات الشعبية بوجه البندقية والموت أمراً غير منطقي، خاصة عندما تدعم الشرطة والجيش دكتاتوراً غير مستعد لتخفيض مستوى العنف وحماية عموم المواطنين. فبإستخدام فرضية " باك" كأساس للتحليل، على الديبلوماسيين أن يتساءلوا عن العوامل والأحداث التي قادت التونسيين، المصريين وشعوب مقموعة أخرى لتخطي الخوف من الشرطة وردود فعل الحكومة الإنتقامية والتدفق الى الشوارع في تظاهرات حاشدة. ما هي القيم الثقافية التي لا تزال تقود آلاف المدنيين العزل في بلدات ومدن سورية الى الوقوف بشجاعة في وجه إطلاق النار الصادر عن الشرطة والجيش والدبابات والدعوة لإنهاء حكم بشار الأسد؟ كيف يمكن لمجموعات من طبقات إجتماعية - إقتصادية مختلفة جداً من المجتمع أن تلتئم وتلتف حول بضع رموز في نقطة مركزية ما والتحرك معاً بإنسجام ضد نظام مترسخ وقوي؟ كيف يتفاعل الديكتاتوريون تجاه تظاهرات شعبية من هذا النوع؟
بإمكاننا أن نجد جواباً جزئياً عن طريق تحليل سلوك الديكتاتوريين ومستشاريهم المباشرين، كما هو الحال في قضية حسني مبارك في مصر. وفي الوقت الذي تستمر فيه العوامل الخارجية بالإزدياد – تظاهرات شعبية ضد الشرطة والجيش - برغم موت مدنيين، يمكن للديكتاتوريين أن يعلقوا في فخ مجموعة ردود ضيقة جداً. وعندما لا ينجح هذا الأمر في قمع الثورات الشعبية، يواجههم خيار الفرار، تطبيق إجراءات عنف شديدة الى أقصى حد، أو مواجهة الموت المحتمل.
في الديبلوماسية الدولية يواجه مسؤولو " الخدمة الخارجية" عدداً من المشاكل في محاولة التحري عن معلومات مفيدة. إذ تواجههم دوماً مشكلة الوصول بشكل قريب كاف إلى مسؤولي البلد المضيف الأساسيين وإلى لاعبين كبار ورئيسيين في المجالات السياسية، الثقافية، والإقتصادية ليعلموا ما الذي يجري خلف الستار. ففي حقبة إتصالات الإنترنت السريع الحالية على مواقع الشبكة الإجتماعية، يواجه هؤلاء أيضاً عالماً واسعاً من اللاعبين ممن تعتبر أفعالهم أقل قابلية للتنبؤ. عليهم توسيع تقاريرهم ليس فقط لإجتذاب مناقشات حساسة وعدا ذلك إنتزاع نشاطات وقرارات خفية في أوساط النخب السياسية وإنما أيضاً لتحليل توجهات ثقافية وإجتماعية في أوساط النساء والشباب المتعلم العاطل عن العمل، الأقليات الإجتماعية والدينية المحرومة، والجماعات المنشقة.
من الواضح أن مسؤولي " الخدمة الخارجية" لا يمكنهم القيام بدراسات سوسيولوجية بالعمق للأحداث في بلدان يعملون بها. فتركيزهم ينبغي أن يكون على التطورات التي تؤثر على السياسات الأميركية وأنشطتها. ومع ذلك الأمر يستحق التساؤل عما إذا كان هناك وسائل وطرق تحليلية أفضل قد تحسن عملية التحليل الديبلوماسي وإرسال التقارير بسرعة حول البيئات السياسية والإجتماعية المتغيرة.
إن قسماً من الجواب يقع في إعادة تعريف هدف وطرق إرسال التقارير. قسم آخر سيكون في قبول النظر بطريقة مختلفة الى الأحداث بدلاً من الطرق التقليدية التي يتسم بها قسم كبير من تفكير صناع القرار في واشنطن. هذا الأمر سيحتم وجود تدريب أكبر على اللغة بحيث يكون مسؤولو " الخدمة الخارجية" مرتاحين أكثر في البلدان حيث يخدمون ويكونوا قادرين على التفاعل مع عدد مختلف من الناس بلغتهم الأم. قسم آخر من الجواب يقع في التقبل الأكبر في واشنطن للتقارير المرسلة من بعثات ديبلوماسية عبر البحار بدلاً من إنتقاد مسؤولي " الخدمة الخارجية " بسبب تقييمهم للأحداث على الأرض عندما تتعارض هذه التقييمات مع النظرة الحكيمة التقليدية لواشنطن.
مع ذلك هناك جزء ثالث من الجواب قد يقع في أساليبنا الثقافية بالملاحظة والتركيز.فهناك مقاربات معينة لحل المشاكل قد ترسخت فينا منذ الطفولة. هذه المقاربات تساعد في تشكيل رؤيتنا للعالم ويمكنها أن تخلق عقبات عندما يقوم ديبلوماسيون بتحليل التطورات في ثقافات أخرى، حيث تحدد طرق الإتصالات المختلفة والقيم الأخرى سياسات الحكومة وأفعالها. قد يكون مفيداً أن نسأل كيف يقوم ديبلوماسيون من ثقافات أخرى – الصينية، اليابانية، الروسية، الأندونيسية، والهندية، وهذا غيض من فيض – بتحليل الأحداث في بلدان يتمركزون فيها.
إحدى الفروقات بين الممارسات الأميركية للديبلوماسية وتلك التي لدول أخرى عديدة هي أن مسؤولي " الخدمة الخارجية" لدينا يميلون لتمضية بضع سنوات قصيرة في كل مهمة لهم قبل الإنتقال إلى مكان آخر. أما الديبلوماسيون من بلدان أخرى فغالباً ما يمضون خمس أو عشر سنوات في بلد ما ويتعلمون إستخدام لغتها بطلاقة. فهم مرتاحون أكثر كأنهم في وطنهم بسبب إلمامهم بثقافته وهم قادرون على التفاعل مع جهات الإتصال بوجود خبرة شخصية أكبر. هذا الأمر يعكس إستثمارات السياسة الخارجية الطويلة الأمد لحكوماتهم وقناعة هذه الحكومات بأن الحفاظ على كادر من الديبلوماسيين ذوي الخبرة في نفس البلد أو المنطقة لسنوات عديدة هو الطريقة الأفضل لتعزيز العلاقات الثنائية والحفاظ عليها.   هذه ليست الطريقة التي تدير فيها وزارة الخارجية الأميركية " الخدمة الخارجية" التابعة لها اليوم.
3.
إذا ما طبق الديبلوماسيون الأميركيون " القوة الذكية" في جهودهم لفهم التطورات الجارية في بلدان أخرى، فإنهم قد يقومون بعمل جيد بدرس الإجراء النظري لـ " بير باك " والإختبارات التي قام بها الفيزيائي الأميركي غلين أ. هيلد وزملائه لإختبار فرضيته. هذه الإختبارات تعرض الى أن الأنظمة المعقدة تنظم نفسها بنفسها في هيكليات بحيث تصل الى مراحل إستقرار حساسة مما ينجم عنه عدم إستقرار. فإذا كان المراقبون الديبلوماسيون العاملون في دول تسيطر عليها أنظمة قمعية سيحللون صفات وخصائص أنظمة من هذا النوع وفقاً لإختبارات " باك" و " هيلد"، فإنهم قد يكونوا قادرين على تحقيق إستنتاجات أكثر قابلية للإستخدام حول الأحداث المنتشرة في أي وقت من الأوقات.
 
فهل يستحق الأمر المحاولة؟
الأمر يستحق المحاولة. مع ذلك، وطالما أن القادة المنتخبين والمعينين في واشنطن مستمرين بالعمل من منطلق فرضيات قديمة جداً حول الكيفية التي يعمل بها العالم، فلن يكون هناك أي تغيير هام في تأثير التقارير الديبلوماسية. إذ يتمسك معظم قادتنا السياسيين بمعتقدات متأصلة وعميقة، بأن وجود مجتمعات ديمقراطية أكثر إنفتاحاً سيجعل مسألة التسبب بأزمة دولية يمكنها إعاقة وتهديد السلام أقل ترجيحاً. بعضهم يفترض بأنه بنشر القيم الديمقراطية، فإن بإمكانهم تعزيز الأمن الدولي والإستقرار الإقليمي. ويستتبع ذلك القول بأن دولاً غير ديمقراطية هي دول صانعة للقلاقل والمشاكل وعرضة للعنف الذي بإمكانه تهديد الأمن القومي الأميركي. إن إستنتاجاً كهذا قد يكون هو ما حفز أعضاء إدارة جورج دبليو بوش على الدفع لغزو العراق عام 2003. في نفس الوقت، كان عدد من قادتنا الوطنيين مترددين، أو حتى غير مستعدين، لسحب الدعم من ديكتاتوريين يعتبرون أصدقاء للولايات المتحدة مثل مبارك الذي تلقى مليارات الدولارات بشكل مساعدات أميركية ودعَمَ المصالح الأميركية في مناطق غير مستقرة. وإذا ما لم يتم الأخذ بأفضل التقارير والتوصيات الصادرة عن وزارة الخارجية أو تم تجاهلها على مستويات مراكز صنع القرار الرفيعة، فإن فعالية " القوة الذكية" يتم تقويضها.
لقد إتخذت قيم " الخدمة الخارجية" التي برزت من الإنتصارات على الفاشية ولاحقاً، الشيوعية السوفياتية بعد الحرب العالمية الثانية منحى التحقق من صحة وصلاحية عدد من فرضياتنا بشأن القوة العالمية الأميركية. فقد جاءت كي تحدد الكيفية التي ينبغي بها للولايات المتحدة إدارة الشؤون الدولية وإستخدام قوتها السياسية، الإقتصادية، والعسكرية. أما الآن، في كل الأحوال، فقد أثارت الأحداث الجارية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا حذراً كبيراً في أوساط خبراء السياسة الخارجية  والقادة السياسيين في واشنطن عقب الربيع العربي. فالديبلوماسيون والقادة السياسيون يلقون نظرة أخرى على الوعد بوجود إستقرار سياسي وإجتماعي أكبر عند تحدي القادة السلطويين، وفي حالة تونس، مصر، اليمن، ومؤخراً ليبيا، عندما يتم الإطاحة بهم.
في مقالة لمجلة " التايم" الأميركية في 8 آب، دعا ريتشارد هآس، رئيس "مجلس العلاقات الخارجية"، الى تشديد إصلاحي ( تصالحي) جديد في السياسة الخارجية الأميركية، راسماً تمييزاً ثابتاً بين التجديد والإنعزالية. وفي حين أنه لا يشير إلى ويكيليكس، يشدد هآس على الحاجة الى إعادة موازنة الأولويات والموارد الأميركية للإنكباب على معالجة التحديات المحلية وإعادة بناء القوة المؤسساتية والإستراتيجية لأميركا في العالم.
يخفق هآس بمناقشة الحاجة إلى وجود إعتراف وتقبل أكثر لما يقوله مسؤولو " الخدمة الخارجية" لصناع السياسة في واشنطن. فعندما لا تنسجم الكلمة من الميدان مع مفاهيمهم السياسية للقوة والنفوذ الأميركي على المسرح الدولي، فإن صناع السياسة غالباً ما يلقون باللوم على الديبلوماسيين لكونهم متعاطفين جداً تجاه القادة الأجانب ولفهمهم السياسة بشكل خاطئ. لعبة اللوم هذه كانت موجودة منذ إتهام ديبلوماسيي وزارة الخارجية الأميركية بـ " خسارة الصين" في أواخر الأربعينات، على الأقل.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان هدف السياسة الخارجية الأساسي في الولايات المتحدة ولدى إستراتيجيين غربيين آخرين حماية الأمن القومي والحفاظ على السلم من خلال نظام التحالفات الدولية مع وجود ضوابط وموازين قد تقترب من نقطة الحراجة لكنها لا تتخطاها. لقد تم تطبيق القوة السياسية، الإقتصادية، والعسكرية الأميركية في مواصلة هذا الهدف لعقود عديدة بكلفة عظيمة  وأحياناً بمكاسب مشكوك بها. هذا الأمر تطلب، بعض الأحيان،  صنع صفقات مع أتوقراطيين ومع أنظمة الدعم الموجودة لديهم من الشرطة والجيش الذين داسوا على حقوق الإنسان، في إنتهاك للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948.
 
لطالما أيد القادة الأميركيون والغربيون نماء وتطور الحكم الديمقراطي والإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية بصفتها الوسائل الأفضل لتأمين الإستقرار السياسي. مع ذلك، لقد رأينا بأن إجراء العمليات الإنتخابية ليست بالضرورة المفتاح لخلق مؤسسات ديمقراطية دائمة في مجتمعات حيث لا وجود لتقليد الحكومة الممثِّلة. فلطالما حافظت الديمقراطيات الغربية منذ عقود مرت بعد نهاية الحرب العالمية الثانية على علاقات وثيقة مع أنظمة سلطوية، بدءاً من إيران والعراق في الخمسينات لتضم أيضاً تونس، مصر، ليبيا، ودولاً عربية أخرى. إذ إختارت الولايات المتحدة الأميركية ودول ديمقراطية أخرى، تكراراً، دعم الإستقرار بظل قيادة قمعية على حساب الإصلاح السياسي والإجتماعي حتى عندما كان يعلم القادة السياسيون وخبرائهم في السياسة الخارجية، أو هم إشتبهوا، بأن الحكام يوظفون ذلك للقيام بإجراءات قمعية ضد شعوبهم، جمع ثروات عظيمة، إدارة أجهزتهم البيروقراطية بالزبائنية والمحسوبية والفساد، مع تجاهل هؤلاء المتزايد للحاجات الإجتماعية التي كانت تتوسل الإصلاح.
بعد العمل على الحفاظ على إضفاء غطاء على الإضطرابات السياسية والإجتماعية المتفجرة في بلدان عربية على مدى النصف قرن الماضي، أصبح على الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين التعامل، فجأة، مع موجة من التظاهرات الشعبية المنتشرة والتي فاجأتهم وأقلقتهم بالقدر الذي فاجأت وأقلقت معظم النخب الحاكمة عبر العالم العربي. فلماذا حصل ذلك؟
جزء من الجواب هو أن قادتنا السياسيين وديبلوماسيينا ركزوا إهتمامهم بشكل أكبر، تقليدياً، على نخب السلطات الخارجية. فالنظرة الحكيمة التقليدية تمسكت بالمفهوم القائل بأن هذه النخب هي الجهة الأكثر علماً بالتوجهات السياسية، الإقتصادية، والإجتماعية في بلدانها وبأن لديها الوسائل للسيطرة على أية إضطرابات شعبية تحصل. في نفس الوقت لم يتم إيلاء إهتمام كبير لجماعات أخرى بين السكان - بإستثناء، ربما، الإخوان المسلمين ومنظمات )إرهابية( كحماس وحزب الله- لأنها لم تعتبر رقماً كبيراً في معادلات القوة التي تشتمل على علاقات ثنائية ومتعددة الأطراف.
جزء آخر من الجواب موجود في الرغبة بالحفاظ على الإستقرار السياسي في منطقة مضطربة عن طريق رعاية وتربية " زبائن" مستعدين للتعاون مع متبرعين خارجيين لهم يمدونهم بالمال مقابل وعود بالأمن. هذا الأمر تضمن وجود تعاون عسكري متبادل قوي وبرامج تدريب للشرطة، خاصة بين الولايات المتحدة ومصر، إسرائيل، الأردن، العربية السعودية، وباكستان. لذا، فإن المصالح المكتسبة قد عملت كثقل وازن بالنسبة للدعوات الى القيام بإصلاحات سياسية، إقتصادية وإجتماعية. وقد أظهر التاريخ، تكراراً، بأن " زبائن" الولايات المتحدة غالباً ما عملوا ضد المصالح الأميركية في مواصلتهم أهدافهم الوطنية الخاصة.
جزء ثالث من الجواب موجود في المتابعة غير الكافية والقاصرة للتغيرات الديمغرافية والجيلية الحاصلة وتأثيراتها على الأنظمة القمعية. إن مفاجآت الربيع العربي تعكس هذا الفشل. مع ذلك هناك عدد من الخبراء في حكومتنا وفي الجامعات ومراكز الدراسات ممن يتبعون هكذا توجهات. بإمكان تحليلاتهم، أحيانأً، أن تفرض تأثيراً بناءً على الجدل السياسي الحاصل على مستوى صنع القرار في واشنطن.
ففي الديبلوماسية الأميركية التقليدية، كانت المحادثات المباشرة – المدعومة غالباً بالقوة العسكرية – مفضلة عموماً على حساب أشكال أخرى من الديبلوماسية الغير مباشرة والأكثر حذاقة والتي قد تأخذ وقتاً أطول لتعطي نتائج مستحسنة بالنسبة للمصالح الأميركية. لهذا السبب كان القيام بلا شيئ تقريباً هو خيار سياسي. وقد تغيرت وجهة النظر هذه للشؤون الخارجية بشكل جوهري في السنوات العشر الماضية، وهذه التغيرات هي إنعكاس للبراغماتية الأميركية في مواجهة التحديات للأمن القومي الأميركي في حقبة ما بعد الحرب الباردة.
في مناقشات 16 آب في " جامعة الدفاع الوطني" أشار وزير الدفاع بانيتا إلى أن لدى الولايات المتحدة دور خاص في العالم وبأنها تتحمل مسؤوليات خاصة بالنسبة للشعب الأميركي وتجاه الأمن الدولي. وقد صرحت الوزيرة كلينتون بأنه من دون موارد ملائمة، فإن الجهود الفضلى المبذولة في الديبلوماسية البناءة في مناطق مضطربة من العالم ستقصر عن بلوغ الهدف وستهدد أمننا القومي كما ستهدد آمال وطموحات ملايين الناس حول العالم. ويدرك الوزيريْن في الحكومة الأميركية الرهانات الموجودة أمام الولايات المتحدة في الشؤون الدولية وضرورة الحفاظ على القوة الأميركية كقوة بناءة بالنسبة للمصالح الأميركية وللعالم عموماً.
 
السؤال هو: هل تفهم أكثرية أعضاء مجلسيْ الشيوخ والنواب هذا الواقع؟
أشارت الوزيرة كلينتون الى أنه في أعقاب الحرب العالمية الثانية كان على وزير الخارجية جورج س. مارشال محاججة الكونغرس للحصول على الموارد اللازمة لإعادة بناء إلمانيا واليابان، العدويْن السابقيْن لأميركا. وقالت كلينتون بأن الأمر كان عبارة عن " تسويق صعب" ومع ذلك فقد أقنع مارشال الكونغرس بأن الطريق الأقل كلفة للحفاظ على السلم ومواجهة الشيوعية السوفياتية هي بتعزيز المساعدات الإقتصادية والتطويرية لأوروبا واليابان. وقد صادق الكونغرس على التمويل لـ " خطة مارشال" ومساعدة أوروبا واليابان على الخروج من الدمار المخيف الذي تسببت به الحرب العالمية الثانية. واليوم، لا يزال على وزيريْ الدفاع والخارجية صنع قضية مع الكونغرس للحصول على الموارد لمتابعة الجهود الجارية في أفغانستان، العراق، وأجزاء أخرى من العالم كالقرن الإفريقي.
هناك تقليد قديم في مجتمعنا وحكومتنا يقضي بإستخدام مقاربة المواجهة في حل المشاكل. إن المناقشات العامة أساسية للتطور السياسي، حتى لو كانت السياسات سيئة أحياناً. فالمواجهة بين الفئات المتنافسة في حكومتنا غالباً ما يتم حملها لتصل الى الديبلوماسية الأميركية. وأحد المظاهر الواضحة على ذلك كان  مقاربة " إصبع في السد" ( finger in the dike) التي مارسها هنري كيسينجر، من بين آخرين، في السياسة الخارجية. هناك عناصر عديدة لهذه المقاربة مستمدة من تفسيرات تحليل " كلوزويتز" للحرب والديبلوماسية خلال الحروب النابوليونية.  فـ " الواقعيون" من بين قادتنا السياسيين وكبار ديبلوماسيينا فضلوا أولاً التعامل مع الوضع الذي في متناول اليد والإعتماد على مثل عليا للتبليغ عن صناعة السياسة لديهم ثانياً. مع ذلك، وعندما هيمنت إيديولوجية " المحافظون الجدد" على قرارات السياسة الخارجية ما أدى الى غزو العراق عام 2003، إعتقدوا بأن إزالة صدام حسين من السلطة سيكون إيذاناً بحقبة جديدة ووجود حكومة ديمقراطية، عن طريق إنتخاب الأفضل من مختلف الفئات العديدة الموجودة في العراق. كانت حروبهم تبسيطاً ساذجاً مبالغاً فيه لتطبيق القوة الأميركية وسوء تقدير للقوى وعلاقة التوتر الموجودة في مجتمع معقد. لقد كلف غزو العراق أرواح مئات آلاف العراقيين وحياة آلاف الجنود من الأميركيين وجنود التحالف. لم يكن الأمر " شيئاً يتحقق بسهولة ".
مع ذلك، على وزيرة الخارجية أن تتعامل مع وزراء خارجية وقادة آخرين على أساس يومي ومحاولة العمل وفق أفضل مصالح الحكومة الأميركية. هذا يعني بأنها عليها إدارة الأزمات على أساس المعالج الفوري في الوقت الذي تكافح فيه أيضاً وتنافس أخصاماً لها داخل الإدارة الحالية، في الكونغرس، وفي مراكز دراسات.
في بيئة من هذا النوع كيف يمكن لديبلوماسية جديدة أن تبزغ؟ ديبلوماسية ترى الشؤون الخارجية بمنظار مختلف بدلاً من الذي كان موجوداً منذ الحرب الباردة؟ كيف يمكن لوزارة الخارجية أن تؤسس لتقدم إصلاحي أفضل يحسن التفاعل مع أعضاء الكونغرس وكذلك مع حكومات أخرى، خاصة في بلدان تحكمها أنظمة سلطوية؟
4.
إن المراجعة الديبلوماسية والتطويرية الرباعية الأولى ( QDDR) التي أصدرتها الوزيرة كلينتون في كانون الأول 2010 هي محاولة كبرى للإنكباب على معالجة  بعض هذه التساؤلات. لقد دعت إلى وجود ديبلوماسية جديدة وإلى زيادة في السلطة المدنية في الأمن القومي الأميركي والشؤون الخارجية. وتقول المراجعة ( QDDR ) بأن الوزيرة " دعت الى وجود مقاربة  القوة الذكية مدمجة لحل مشاكل عالمية – مفهوم متجسد في إستراتيجية الأمن القومي للرئيس.
"
كيف يُحدد هذا الأمر؟ ما هي الموارد التي يتم إستثمارها لإستخدامها؟ كيف يمكن لمسؤولي  "الخدمة الخارجية " لدينا أن يكونوا مدربين ومعينين بشكل أفضل في وظائف لتنفيذ هذه الإستراتيجية؟ في الوقت الذي تحدد فيه  مراجعة QQDR الخطوط العريضة للأهداف والإستراتيجيات الجديدة لوزارة الخارجية و"الوكالة الأميركية للتطوير الدولي" ( SAID)  في السنوات الأربع المقبلة، فإنها تعكس مواقف ثقافية قديمة العهد للسياسة الخارجية في كل من هاتين الوكالتين.
قادت البروفسورة آن- ماري سلاتر من جامعة Princton، المديرة السابقة في وزارة الخارجية لـ  "التخطيط السياسي" ( 2009- 2011)، الجهود المبذولة لتطوير الـ QQDR بطلب من الوزيرة كلينتون. فمراجعة QQDR تضع قائمة بالأهداف والوسائل لتطوير عمليات السفارة وتعرض الحاجة لوجود تغيير في ثقافة وزارة الخارجية. ولا تصف هذه المراجعة صراحةً الكيفية التي ينبغي بها أن يغيِّر الممارسون للشؤؤون الخارجية طرق تفكيرهم وتبني مقاربات أكثر كلية لفهم ما يجري في بلدان أخرى. وتقترح المراجعة بأن يصبح الديبلوماسيون الأميركيون مستمعين أفضل وأكثر إنخراطاً بما يقوله قادة وأناس أجانب لبعضهم ولحكومات أخرى في أجزاء عديدة مختلفة من المجتمعات الأخرى. هذا موقف مركزي لواشنطن تجاه ما قام به مسؤولو " الخدمة الخارجية" في عملهم في الخارج لعقود. إنه تعبير عن الأمل والحلم بالمكان الذي ينبغي أن تكون فيه الولايات المتحدة خلال أربعة أعوام. وستثبت النتائج ما إذا كانت أهداف هذه السياسة واقعية وبإمكانها الصمود إزاء الجدل المستمر في واشنطن غالب الأحيان
بالإجمال، إن تحليلاً لموارد السياسة الخارجية الأميركية وأهدافها كما هي عليه مراجعة  QQDR، لا توضح الكيفية التي ينبغي بها على وزارة الخارجية زيادة تأثيرها على البيت الأبيض، مجلس الأمن القومي، والكونغرس. فعلى خلاف وزارة الدفاع، لا تزال وزارة الخارجية تفتقر إلى الإجماع المحلي الذي سيساعدها على إكتساب قوة وتأثير في المناقشات والقرارات السياسية. وتواجه الخارجية و SAID إقتطاعات شديدة في موازنتيهما.
في كتابها " نظام عالمي جديد" الصادر عام 2004، وصفت "سلاتر" شبكات المسؤولين الحكوميين عبر الحدود بأنها جزء هام ومتزايد من الحكم العالمي. ورأت "سلاتر" عالماً محكوماً الآن بشبكة عنكبوتية معقدة من " الشبكات العالمية". وكتبت تقول بأن هذه الشبكات قد حلت تدريجياً محل بنيات إتصالات أكثر تقليدية في العلاقات الدولية وبأن المسؤولين اليوم يعملون عبر الحدود مع نظرائهم للتعامل مع مختلف المشاكل ولمكافحة التهديدات على المستوى العالمي. وبحسب تحليل "سلاتر"، يعتمد مفهوم المصلحة الوطنية، بشكل متزايد، على قابلية هذه الشبكات العالمية التابعة للمسؤولين للحياة والتطبيق وتوسعها على مستويات عديدة. هذا سيعني بأن على الديبلوماسيين لعب دور أكبر في تعزيز هذه الشبكات لحماية المصالح القومية الأميركية،  لكن أين هي الموارد والموظفين الإضافيين؟
من جهة أخرى، كتب ريتشارد هآس، المدير السابق لـ " التخطيط السياسي " في وزارة الخارجية  ( 2001 – 2003( في قسم "آفاق" في صحيفة الواشنطن بوست، الأحد، 19 حزيران، 2011 ، بأن أعضاء الناتو، واحدة من أقدم وأكثر المنظمات الديبلوماسية والأمنية الدولية إستقراراً، يتباعدون ويتباينون ببطء بما يتعلق بمصالحهم العالمية والإقليمية. وصرح بأن نقطة الإرتكاز الجيوسياسية قد تحولت من أوروبا الى آسيا وبأنه في الوقت الذي لا أحد يدعو فيه الى إلغاء الناتو، فإن الناتو لم يعد لديه نفس القوة الموحدة القوية التي جعلت منه مؤسسة سياسية وعسكرية بارزة من هذا النوع خلال الحرب الباردة. وإستشهد هآس بدليل على هذا الأمر وهو تردد أعضاء الناتو الأوروبيين بالإستمرار بدعم القتال ضد طالبان والقاعدة في أفغانستان والموارد الهزيلة نسبياً التي يكرسها كل بلد من البلدان الأوروبية العضو في الناتو لدفاعه الوطني ولمهمة الناتو. ويرى هآس بأن الناتو " سيكون له أهمية أقل بكثير. بدلاً من ذلك، ستكون الولايات المتحدة بحاجة الى الحفاظ على علاقات ثنائية أو بنائها مع تلك البلدان الأوروبية القليلة المستعدة والقادرة على التصرف في العالم، بما في ذلك إستخدام القوة العسكرية".
.[/rtl]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أكرم الحوراني
وسام التميز
وسام التميز


الدولة : سوريا
عدد المساهمات : 239
نقاط : 489
تاريخ التسجيل : 17/09/2013

مُساهمةموضوع: رد: الديبلوماسية، التحليل، وصنع القرار – الحاجة الى نموذج جديد    الثلاثاء أبريل 05, 2016 7:56 am

في سياق مراجعة QQDR ، سيتطلب تحسين وتطوير  فعالية الديبلوماسية الأميركية تحولاً نموذجياً في التفكير والتحليل، بحسب ما كتبت البروفسورة "سلاتر". ففي أجهزة بيروقراطية كبيرة وتقليدية من هذا النوع، كما هو حال وزارة الخارجية الأميركية، لطالما كان هناك فلسفة تحليلية أرسطوطاليسية تجاه مشاكل السياسة الخارجية. هذا يشجع على كسر المشاكل وتفتيتها الى عناصر ودرس قطع الدليل المنفصلة المتجمعة في السفارات والقتصليات.هذه القطع تكون مغربلة في عملية تتحرك صعوداً من السفراء الى مدراء المكاتب وصولاً الى نواب مساعدي وزير الخارجية الى مساعدي وزير الخارجية الى وكلاء الوزير، وأخيراُ الى وزير الخارجية. فالأحكام السياسية تتم على أساس الفحوص العديدة لكل قطعة من هذه القطع. وإذا ما تمت غربلة قطعة ما في العملية التحليلية على المستوى الأدنى للمعلومات لأي سبب من الأسباب بما في ذلك عدم توافقها مع مواقف البيت الأبيض أو مع مواقف سياسة NSC ( مجلس الأمن القومي)، فإن النتائج قد تقدم تفسيرات وإستنتاجات مشوهة على المستويات الأعلى حول ما يحدث على الأرض عبر البحار. هذا يجعل من دقة وتوقيت التقارير الديبلوماسية مسألة أكثر حراجة وحسماً كما يضيف قيمة على التحكم بالمعلومات وإحتكارها في المناقشات السياسية. كل هذا يأخذ مكانه في بيئة تنافسية حيث تتنافس  مكاتب ودوائر مختلفة للحصول على الموارد والإعتراف بقطعتها المحددة من الكعكة السياسية.
كيف يمكن لديبلوماسية جديدة ولـ " القوة الذكية" أن تغير هذه الثقافة المترسخة؟
إحدى الطرق لذلك ستكون القبول بأن تكون المعرفة والتجاهل سكتين لنفس المسار كما كتب "جون أ. ميتشام". إذا ما تقبل المرء ذلك، فإن بإمكانه تجنب المثالية المفرطة وتبني تفكير أكثر مرونة حول المشاكل والأفكار السياسية. بإمكان المرء تطبيق مجموعة موحدة من الإستنتاجات، الرؤى، والإستدلالات حول أجهزة معلومات مختلفة، لا علاقة بينها ربما لتحقيق إستنتاجات سياسية قابلة للتطبيق. هذه المقاربة تتطلب درجة أكبر من التعاطف تجاه ثقافات وقيم أجنبية مما قد يبدو مناسباً لتحليل ديبلوماسي.
طريقة أخرى للتغيير هي السماح للمعلومات بتشكيل أفكار سياسية بدلاً من الإعلان عن سياسات ومن ثم البحث عن دليل لإثباتها. هذه المقاربة ستبدو متعارضة مع رؤية "سلاتر" التي تقول بأنه ينبغي توجيه الديبلوماسية الأميركية نحو تعزيز حكم عالمي من خلال مبادرات مختلفة. ففي حين أنه قد يكون لشبكات المسؤولين عبر الحدود الدولية إنتماءات معينة في عملها وأهدافها، فإن ذلك لا يستتبع أن تكون كلها تتقاسم نفس المفاهيم السياسية والثقافية للعلاقات الدولية. من الأرجح ألا تكون حكومات عديدة مهتمة بالترويج للحكم العالمي وبنظام عالمي جديد.
إن أفكار "ميتشام" مثبتة من قبل عدد من الناس الذين يدرسون الدافع البشري. ففي مقابلة أجراها مؤخراً مراسل قسم الأعمال في صحيفة الواشنطن بوست "ستيف بيرليشتاين" ( الأحد، 27 آذار، 2011) طلب المراسل من "دومينيك بارتون"، المديرة العامة لشركة McKinsey & Company، أن تصف  كيفية صنع القادة للقرارات. وأشارت "بارتون" إلى أن ليس هناك من رئيس أو قائد بإمكانه الإمساك بكل المعلومات الضرورية لصنع قرارات. إذ قد يكون لديه/ لديها، المعرفة أو ربما عشرين بالمئة من المعرفة بما يحدث ولا يزال يفترض به/ بها إتخاذ قرارات. إن القدرة على القيام بذلك تعتمد على الكثير من الخبرات والتجارب الصغيرة، بما فيه الإخفاقات المتراكمة بمرور الزمن والتي ساعدت على دعم موهبة غريزية ثاقبة في صنع خيارات جيدة. وتقول "بارتون" بأن الغريزة هي " عضلة" قيادية بحاجة للممارسة حتى عند وجود خطر إرتكاب أخطاء. هذا مختلف عن التحليلات الديبلوماسية حول الكيفية التي قد يتعاون بها المسؤولون الحكوميون عبر الحدود الوطنية. وقد يفسر أيضاً، جزئياً، سبب تجاهل التقارير الديبلوماسية أحياناً لدى أعلى مستويات صنع القرار في حكومتنا.
في ميزة أخرى من مميزات القيادة القوية هناك الإستعداد لصنع قرارات من دون المبالغة في تحليل القضايا. وتقول "بارتون" بأن التحليل البالغ جداً يقلل، في الواقع، من فعالية القيادة. مع ذلك، وبعيداً عن تطوير " القوة الذكية"، ليس هناك من مناقشة في مراجعة QQDR حول الحاجة الى روح قيادية جديدة في وزارة الخارجية.
إن عدداً من الأفكار في مراجعة QQDR كان موجوداً لعقود وقد أعيد تجميعها. هناك أفكار أخرى تعترف بالحاجة إلى التغيير والتكيف مع وقائع جديدة في الساحة العالمية. وهذه الأفكار تعكس، معاً، إيماناً تاريخياً بالإستثنائية الأميركية المقترنة بالمثالية الأميركية تجاه باقي العالم والذي أدى أحياناً إلى أخطاء وحماقات سياسية خطيرة بالإضافة الى تغييرات عميقة وإيجابية. وفي حين أن هناك الكثير من النقاش بخصوص التغيير في الكيفية التي سيتم بها العمل في المستقبل القريب، فليس هناك من نقاش كبير حول المواقف التي سيتم تغييرها داخل وفي أوساط الطبقات المختلفة في الأجهزة البيروقراطية لوزارة الخارجية و SAID.
إن المثالية المتأصلة في رؤية "آن – ماري سلاتر" حول الحكم العالمي قد يشير إلى إتجاه جديد، لكن هل بإمكان هذه المثالية تحفيز بيروقراطيين راسخين لتبني طرق جديدة في نظرتهم الى الشؤون الدولية؟ قد تكون " سلاتر" على طرف نموذج جديد حاد في الديبلوماسية الأميركية، لكن كما هو الحال مع كل تحولات النماذج، فإنه قد يحدث فقط عندما يفقد النموذج القديم كل مصداقيته. إن ولادة نموذج جديد يتحضر بسبب أنشطة آلاف الناس العاملين ضمن الهيكلية المؤسساتية، لكن هذه الأنشطة لا تتخطى، عموماً، مجال شرعية النموذج القديم. إن الأشخاص العاملين بظل النموذج القديم لا يمكنهم إستخلاص نموذج جديد، ولا عرضه، حتى الآن؛ لا يمكنهم خلقه. فالنموذج الجديد يكشف عن نفسه فجأة. يتم التوصل إليه بقفزة واحدة بعدما تختفي وجهات النظر القديمة للأمور. ولشرح مفصل لهذه العملية، أنظر وصف " توماس كوهن " عن تحولات النماذج في كتابه الصادر عام 1962 بعنوان " هيكلية الثورات العلمية" (The Strctre of Scientific Reveltions). 
5.
لطالما كان هناك عنصر راسخ جداً للديبلوماسية العامة ونادراً ما يُذكر في مراجعة QQDR. إنها الديبلوماسية الثقافية والتي غالباً ما يتم إغفالها في التقارير السياسية، صياغة السياسة، وعملية صنع القرار. إن الديبلوماسية الثقافية مختلفة عن المصطلح الحالي " الديبلوماسية العامة" وأقدم بكثير. فهي تساعد على ترسيخ شبكة نفوذ والحفاظ عليها داخل مجتمع ومؤسسات البلد المضيف على إمتداد سنوات عديدة وتتطلب وقتاً وموارد ثابتة لتطوير النتائج وإظهارها. لذا، غالباً ما تعتبر هدراً للوقت عندما تكون الظروف ضاغطة على العمل الديبلوماسي .
لا يسعى مسؤولو الشؤون الثقافية في السفارة الأميركية، فقط، الى شرح السياسة الخارجية الأميركية وتفسير سلسلة واسعة من الأفكار الأميركية لجمهورهم الأجنبي، إنهم يصغون أيضاً الى وجهات نظر ومعتقدات المستمعين تجاه الولايات المتحدة ويتعلمونها. فعملهم هذا يبني تأثيراً في أوساط الناس والمؤسسات في مجتمعات وحكومات أجنبية كما يلقح أجزاءً عديدة مختلفة في الثقافة الأجنبية. قد لا يكون نتاج هذا التلقيح واضحاً لشهور أو لسنوات، لكن مثالاً واحداً يعتبر معبِّراً: أكثر من 326 من الرؤساء الحاليين أو السابقين ورؤساء الحكومات كانوا مشاركين في " برنامج الزائر الدولي القيادي التابع لوزارة الخارجية" ( IVLP) بحسب الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية.
إذا كانت وزارة الخارجية جدية بخصوص نشر ديبلوماسية جديدة في الخارج، فإنه ينبغي إعطاء الديبلوماسية الثقافية أولوية أعلى بكثير بالإضافة إلى تقديم موارد أكثر. فاليوم تتنافس هذه الديبلوماسية مع مجالات رئيسة أخرى من المسعى الديبلوماسي للحصول على الموارد والموظفين وغالباً ماىتقصر في بلوغ الهدف. إن عمل مسؤولي وموظفي الشؤون الثقافية لدينا لا يكشف عن نقاط المصلحة المشتركة بين الولايات المتحدة ومؤسسات البلد المضيف فحسب، بإمكانه أيضاً أن يكشف عن نقاط الإستهداف وعلاقة التوتر داخل مجتمع أجنبي والتي قد تنذر بحصول تبدلات في المواقف والقيم الشعبية قبل وقت طويل من نزول الناس إلى الشوارع. أما السؤال فهو: هل سيصغي صناع القرار في واشنطن عندما تذكر التقارير الديبلوماسية تفاصيل عن تحولات محتملة في مواقف ثقافية أجنبية بالإضافة إلى تحولات في تصورات الشعب عن الولايات المتحدة؟ غالباً جداً ما يتنصل القادة السياسيون ورؤساء وسائل الإعلام من تغييرات كهذه بصفتها " معادية للأمركة" من دون إستكشاف جذورها والأحداث المهمة السابقة لذلك.
 
الديبلوماسية الثقافية ليست إستبدالاً للعمل الإستخباراتي التقليدي في سفاراتنا وقنصلياتنا. إنها طريقة للوصول بشكل أعمق بالأفكار الأميركية إلى مجتمع البلد المضيف. إن زيارة السيدة الأولى ميشال أوباما الى جنوب أفريقيا وخطابها أمام النساء الشابات في " سويتو" مثال عن تأثير الديبلوماسية الثقافية. لقد وضع عدد من المسؤولين الثقافيين في " الخدمة الخارجية" و"الإختصاصيين الوطنيين للخدمة الخارجية" على إمتداد أشهر وسنوات الأساس لظهورها هناك.
هناك إشارات قليلة في مراجعة QQDR لجهة وجوب التشديد أكثر للتركيز على الديبلوماسية الثقافية. ليس هنك ذكر لإستخدام الديبلوماسية الثقافية للمساعدة على قراءة ملامح البيئات السياسية والإجتماعية الخارجية التي ينظر بها الناس الى الولايات المتحدة. إذ لم يتم حتى ذكر " برنامج الزائر الدولي القيادي " الرائد، الموجود منذ أكثر من 70 عاماً. إن مراجعة QDDR تناقش فعلاً جعل " الديبلووماسية العامة" " مهمة ديبلوماسية جوهرية..." وكأنما هذا الأمر هو  أمرجديد في الشؤون الخارجية الأميركية، وتعلن المراجعة " أننا حولنا بشكل أساسي ديبلوماسيتنا العامة..." لكنها لا تقول كيف أو متى تم هذا التحول. إن المراجعة تؤيد تركيز الديبلوماسية العامة على " دور النساء" وتشدد على القول بأن " الديبلوماسية العامة أصبحت عنصراً أساسياً لديبلوماسية فاعلة." مع ذلك، وفي مراجعة QDDR، فإن دور الديبلوماسية العامة في الدفع قدماً بأهداف السياسة الخارجية الأميركية هو العمل على "إبلاغ الشعوب أجنبية وإلهامهم وإقناعهم." هذه الغاية لا زالت ثابتة من دون تغيير منذ عقود عندما كانت الديبلوماسية الثقافية والشؤون العامة تدار من قبل " وكالة المعلومات الأميركية".
بدلاً من أن تكون مراجعة QQDR مهتمة بديبلوماسية جديدة مبنية على أساس تعاون وتنسيق متزايدين بين وزارة الخارجية و SAID لمواجهة تهديدات مباشرة لمصالح الأمن القومي الأميركي، تدعو الوثيقة إلى تأسيس " مركز إتصالات مكافحة الإرهاب الإستراتيجي" يرسل رئيسه تقاريره مباشرة إلى وكيل وزير الخارجية للديبلوماسية العامة. كما تصرح الوثيقة أيضاً بأن " مكوِّن الديبلوماسية العامة " ينبغي بناؤه في " كل مرحلة من مراحل العملية السياسية" لكنها لا تقول بالتحديد كيفية إنجاز هذا الأمر. كما أنتها لا تبين الوثيقة صراحة بأنه ينبغي لمكوِّن الديبلوماسية العامة هذا أن يكون عنصراً وجزءاً لا يتجزأ من مداولات السياسة الخارجية من بداياتها وصولاً إلى تنفيذ سياسات جديدة. إنها تعرض الى أنه ينبغي للديبلوماسية العامة أن تكون مرتبطة بعمليات أخرى لوزارة الخارجية من خلال مؤسسة " نواب مساعدي وزير الخارجية في كل الدوائر الإقليمية." ليس هناك من ذكر لوجود موظفي الديبلوماسية العامة في كل دائرة من الدوائر الإقليمية منذ العام 2000.
6.
إذا كان ممكناً وجود تحول بالنموذج بالطريقة التي تدير بها وزارة الخارجية العلاقات الدولية، فإنها قد تركز ، بشكل مكثف أكثر، على صنع القدرة على الفهم والوعي داخل هيكليات وطبقات مختلفة في الحياة السياسية، الإجتماعية، الثقافية والإقتصادية للبلد. هذا التحول سينكب على معالجة السؤال التالي: كيف يمكن لمقاربة مختلفة للديبلوماسية أن تصنع فهماً ووعياً أفضل للتطورات الخارجية لدى جمهور واسع من صناع السياسة في واشنطن والجماعات المهتمة في وكالات أميركية أخرى؟ كيف يمكن لديبلوماسية جديدة أن تهز صناع السياسة والقادة في واشنطن وتزحزحهم عن أحكامهم المسبقة بشأن الأوضاع الناشئة والمتطورة عبر البحار؟
إن إحدى الطرق الممكنة لسبر أعماق الحياة والسياسات المحلية في بلدان أخرى، خاصة تلك الخاضعة لأنظمة سلطوية، هي تلك التي للمنظر التنظيمي " كارل إ. ويك. ففي تحليله يركز " ويك" على الكيفية التي يجعل بها الناس معنىً لما يقومون به. ويتضمن مقياسه التحليلي هيكلية الدور، منظومات الدور العملي، موقف النظرة الحكيمة بين أعضاء المنظمات، ووجود أو غياب التفاعل المحترم. إن هدف " ويك" الرئيس هو دراسة الكيفية التي تشتغل بها عملية صنع الفهم والوعي وكيفية تحديد ماهية أنواع الأحداث التي تقود إلى فقدان هذا الوعي وإلى التفكك التنظيمي. كما أنه يحلل المقياس الذي يشكل الحد الأدنى لتنظيم إفرادي وينظر الى ماهية العوامل الخارجية والداخلية التي تقود الى فقدان التجانس التنظيمي. إن لبحثه مضامين بارزة وهامة بما يتعلق بمقاربات جديدة للديبلوماسية.
إستبدل " النظام" أو " الحكومة" بـ " المنظمة"، ومقياس " ويك" قد يكون أكثر إفادة في تفسير تقارير وتعليقات وسائل الإعلام الخارجية بالإضافة الى تصريحات الحكومة الرسمية وإجراءاتها. إن تطبيق ذلك المقياس في الديبلوماسية قد يعزز " القوة الذكية" ويحسن التفاعلات مع مسؤولي البلد المضيف ومع أفراد وجماعات أخرى  خارج نخبة السلطة. كما أنه قد يؤدي إلى تحليل وتقارير ديبلوماسية بشكل أفضل.
ينبغي أن يكون هناك مقياس يمكن معرفته لتحديد متى يمكن لرئيس حكومة أو رئيس دولة أن يفقد قبضته على السلطة أو لحكومة أن تسقط. إن تحديد وإستخدام هكذا معيار يمكن أن يحسن مسألة التقارير ويلعب، بدوره، دوراً حاسماً في عملية صنع القرار في واشنطن. إحدى المقاربات الجديدة قد توظف شكلاً من أشكال التحليل مبني على مفهوم حرجية ( خطورة) التنظيم الذاتي للفيزيائي وعالم الرياضيات الريادي " بير باك"، كما وصفنا آنفاً.
يحاول مسؤولو " الخدمة الخارجية"، دوماً، فهم الأحداث الحاصلة في البلدان المعينين بها. هذا النشاط هو حجر الأساس لتقاريرهم وتفاعلاتهم مع الأفراد والجماعات في البلد المضيف.
 
إحدى الأمثلة على تقارير وزارة الخارجية الدقيقة التي تسعى إلى تقصي إنحدار وتفكك حكومة قديمة العهد يمكن رؤيتها في برقيات السفارة الأميركية في طهران ما بين عامي 1978 و 1979 حول شاه إيران في الأشهر الأخيرة من حكمه. فالتقارير حللت تصريحاته وأفعاله وردات فعل الناس القريبين منه بالإضافة إلى تصريحات بعض خصومه الإيديولوجيين. لقد حللت التقارير هيكلية القيادة والعوامل التي ساهمت في إنهيار نظامه. لم يكن هناك من تحوط وقائي في البرقيات المرسلة من سفارة أميركا في طهران ما أن إقتربت الأحداث من حالة فائقة الحراجة في كانون الثاني 1979. فمن تقارير السفارة كان ينبغي على صناع السياسة في واشنطن أن يعلموا بأن الوضع في طهران يزداد سوءاً وبأن الحكومة، بظل شاهبور بختيار، المعين من قبل الشاه في أواخر عام 1978، هي حكومة مهتزة في أفضل الأحوال.كان ينبغي أن يكون لديهم فهم ووعي للتصادم الوشيك بين الحكومة المدنية، بضعفها، وبين السلطة الدينية المتنامية لآية الله الخميني وأقرب الداعمين له. مع ذلك، فإن ردات فعل واشنطن تجاه تقارير السفارة أظهرت بأن هناك ظروفاً تنشأ عندما يتم تجاهل أفضل التحليلات الديبلوماسية.
لقد نصحت وحذرت التقارير الصادرة من السفارة في طهران، بوضوح، واشنطن بعد رحيل الشاه في كانون الثاني 1979 والعودة المنتصرة لآية الله الخميني الى إيران، من العواقب المحتملة للديبلوماسية الأميركية إذا ما تم إدخال الشاه الى الولايات المتحدة بصرف النظر عن المبررات. وكشفت الحرب المستمرة آنذاك بين كبار مستشاري كارتر السياسيين بما يتعلق بدخول الشاه الى الولايات المتحدة للعلاج الطبي عن إرباك خطير قاد الى قرار كارتر المصيري بالسماح للشاه بالدخول الى بلادنا. بعد وقت قصير من دخول الشاه الى الولايات المتحدة، إحتشد متظاهرون إيرانيون مسلحون ودخلوا الى السفارة الأميركية في طهران في 4 تشرين الثاني، 1979 وأخذوا ديبلوماسيين أميركيين رهائن مدة 444 يوماً. النتيجة كانت أسوأ كابوس يواجهه كارتر في السياسة الخارجية.
كشفت الأزمة الناجمة عن الإفتقار الى المرونة والخيال داخل البيت الأبيض برئاسة كارتر وكشفت عن كثير من التفكير التواق حول الدوافع الإيرانية والأهداف السياسية. وإعتقد كارتر ومستشاريه للسياسة الخارجية، مراراً وتكراراً، بأن إحتجاز الرهائن كان غلطة وبأن الخميني سيعود الى صوابه ويطلق سراح ديبلوماسيينا. وجاء هذا الأمر بعد عقود من العلاقات الثنائية أسس فيها الديبلوماسيون الأميركيون علاقات وثيقة جداً مع كل أنواع الناس الموجودين في النخب السياسية والعسكرية. أما المجال الذي لم تؤسَّس فيه علاقات كهذه فكان مع القادة الدنيين وفي المدارس والحلقات الدراسية الدينية حيث تلقى رجال الدين المعادين لأميركا علومهم وتدربوا للقيام بعملهم. وبالرغم من التقارير الديبلوماسية المكثفة والمفصلة الواردة من إيران، فقد كشفت الأزمة عن تجاهل واسع ومنتشر في واشنطن للقيم والعادات الإجتماعية والثقافية الإيرانية. لقد قام ديبلوماسيينا بعملهم جيداً على مدى سنوات، لكن صناع  سياسة واشنطن إختاروا في النهاية إهمال معظم تحذيراتهم وتقييماتهم وإسقاطها من حسابهم.
7.
في الوقت الذي ليس هناك من ثورتين متشابهتين، فإن هناك مؤشرات للسلوك البشري في أوضاع ضاغطة بشكل متزايد تكشف عن تآكل السلامة التنظيمية وتآكل صناعة الفهم والوعي. بالإمكان تحديد عدد من هذه المؤشرات ودراستها كما فعل " ويك" وآخرون.
ما هي بعض المعايير التي بإمكان الديبلوماسيين إستخدامها لتحليل هيكليات القيادة داخل حكومات البلد المضيف عندما تكون إمكانية وصولهم الى القيادة مقيدة أو ممنوعة بشدة؟ أحد الأجوبة على ذلك هو درس الكيفية التي تكون فيها الأنظمة السلطوية منظمة، ماضياً وحاضراً، ومن ثم دمج ما هو معروف بمصفوفة تحليلية. بإمكان النظرية التنظيمية أن تكون مفيدة في مقاربة هذه المهمة.
يستشهد " ويك" بالمعايير الخمسة لـ " هنري مينتزبرغ" للهيكلية التنظيمية: "التنسيق بواسطة مراقبة مباشرة، إستراتيجية مخطط لها على أرفع المستويات، سلوك له طابع رسمي ضئيل، هيكلية عضوية، وميل الشخص المسؤول إلى صياغة خطط بالحدس والتخمين. هذه المعايير قد تخدم في تفكيك وفهم التنظيمات والمؤسسات الداعمة لحسني مبارك، معمر القذافي، وصدام حسين.
المعيار السادس قد يكون رهاب الحكام والخوف من الإغتيال، إما من داخل أو من خارج دائرة القيادة العليا. إن خوفاً كهذا يمكن أن يقود ديكتاتوراً ما إلى التخلص من مجموعات كاملة من الناس لمنع حصول إنقلابات محتملة في القصركما فعل صدام حسين. لقد حافظ على مستوى عال من الخوف في أوساط مرؤوسيه. وبذلك، وإضافة الى وجود المعايير الخمس التي يصفها " مينتزبرغ"، فإن المعيار السادس قد يخدم أيضاً بطريقة إضافية لتحديد هيكلية تنظيمية. ففي الديكتاتوريات هذا المعيار موجود بصرف النظر عن وجود أي من المعايير الخمس الأخرى. إنه يؤثر على قواعد ومعايير التفاعل المحترم في أوساط هيكلية القيادة وبين القائد وأقرب أنسبائه ومساعديه.
يناقش "ويك" " الأدوار والقوانين الموجودة والتي تمكن أفراداً من أن يكونوا تبادليين بدون تمزيق كبير لنموذج التفاعل الجاري." ففي الطبقة الأدنى للديكتاتور، بإمكان مرؤوسيه لعب أدوار مختلفة بحسب إملاءاته. وقد يكون قادراً على تغيير القوانين كما يرى مناسباً.
يشير "ويك" إلى أن قادة كهؤلاء يتصرفون " وكأن الأحداث تلتحم بالزمان والمكان وبأن التغيير ينتشر بأسلوب منظم" بحيث بإمكانهم السيطرة عليه. في كل الأحوال، لقد فشلوا بأن يدركوا بأن الأحداث اليومية عرضة للتشويش والتمزق كل الوقت. ويصف " ويك" النتيجة. " يحدث تمزق شديد عندما يشعر الناس فجأة وبعمق بأن الكون لم يعد نظاماً منطقياً ومنظماً. أما ما يجعل هكذا فصل مبعثراً ومهشماً للغاية فهو أن فهم ما يحدث ووسائل إعادة بناء ذلك الفهم والوعي ينهاران معاً."
هذا قد يكون ما أدركه أخيراً كل من الديكتاتور التونسي زين العابدين بن علي، والديكتاتور المصري حسني مبارك ومرؤوسيهم المباشرين بعد التظاهرات الشعبية الثابتة في الحجم والمتكررة بوجه عنف الشرطة وآلة القتل. قد يكونا فهما فجأة بأنهما كانا في وضع غير مسبوق حيث أنهما ما عادا يمسكان بالسلطة العليا ضمن الهيكليات السياسية والإجتماعية لمجتمعاتهما. وما أن أصبحت أنظمتهما السلطويةالتقليدية متفتتة تحت ضغط التظاهرات الشعبية المتزايد، حتى أصبحا قلقين أكثر فأكثر وكانا في النهاية غير قادريْن على فهم وإستيعاب ما كان ينتشر خارجاً في الشوارع.وكان ردهما الأول إعطاء الأوامر بتسديد ضربات عنيفة ضد المتظاهرين السلميين وإغلاق الإنترنت بأمل تعمية المعارضة. وعندما فشلت هذه الإجراءات بتخويف المتظاهرين وبقاء عناصر من جيشيهما إيجابيين أو سحب دعمهم لهما، بدءآ بتقديم تنازلات لمطالبهم. وقد أدت تحركاتهما الى إنعزال أناس أكثر عنهما بمن فيهم ضباط وجنود قواتهما المسلحة الذين تخلوا عنهما.
إن فهم مسار كوارث سياسية كهذه قد يساعد الديبلوماسيين وصناع السياسة على إدراك بيئات سياسية مشابهة وصنع قرارات أفضل في وقت أبكر من حصول الأحداث. قد يكون الديبلوماسيون قادرين على إستخدام نماذج كنموذج مخروط الرمل لـ "باكهيلد" لمقارنة أحداث حالية مع أزمات سابقة وإنهيار أنظمة لتحليل التغييرات البنيوية في نظام ما أمام أزمة بدلاً من التفاعل مع أحداث تحدث أصلاً في الشوارع. هذا سيكون تطبيقاً لـ " القوة الذكية" ويمثل تحولاً في طريقة تعامل الديبلوماسيين على الأرض وصناع السياسة في واشنطن مع أحداث مفاجئة، إنهيار نظام، وتقديم لاعبين جدد وأجندات سياسية مختلفة. إن الوسائل التكنولوجية متوفرة للقيام بدراسات مقارِنة قريبة من المعالجة الفورية. وعرض نماذج بإمكانها تحسين نوعية التحليلات للأحداث المنتشرة.
أما في مسألة تبني إستراتيجيات تحليلية وكتابة تقارير إستراتيجية فسيوسع الديبلوماسيون حقل إتصالاتهم لتشمل أفراداً ومجموعات من خارج النخب السياسية للبلد. سوف يحصلون على  معلومات مختلفة وربما أفضل حول المواقف الشعبية في أوساط المهنيين الشباب، النساء، الطلاب، العاطلين عن العمل، والتنظيمات السرية كالإتحادات غير القانونية، الدوائر الفكرية، ومجموعات أخرى تسعى لتغيير الوضع القائم ويدمجونها في تقاريرهم. ومن خلال تحليل أوسع لمشاعر وأفعال أشخاص مستثنين من الحياة السياسية وشرائح سكانية ممثلة تمثيلاً ناقصاً قد يكون من الأسهل الإعتراف عند أية نقطة وصلت الأمور وما عاد لها معنى بالنسبة لمعظم الناس وعند أية نقطة تبدأ الهيكليات السياسية القديمة بالتهاوي. فإذا ما إستطاع الديبلوماسيون وصناع السياسة الإمساك بعناصر الإنهيار قبل حصوله، فسوف يكونوا في موقف أفضل للتعامل مع النتائج. هذا المجهود يمكن أن يقود الى تحول في الإدراك الحسي في الديبلوماسية الأميركية – المقدرة الأقوى على التفكير بطريقة غير تقليدية والتنبؤ بالأحداث في أزمة ما
مع ذلك، هناك صعوبة واحدة بالقيام بهذا الأمر والتي قد تتأتى من الأحكام الثقافية المسبقة  الخاصة لدى المرء عند محاولته فهم السلوك الشخصي للاعبين أساسيين في ثقافات أخرى ذات قيم وهيكليات قيادية مختلفة كثيراً. هنا يإمكان القولبة الثقافية ولعب الأدوار أن يكونا أكثر إفادة. وهذا يدل أيضاً على ضرورة دمج الديبلوماسية الثقافية والتقارير حول التوجهات الثقافية والإجتماعية والأحداث ضمن تقرير شامل للسفارة. ينبغي للديبلوماسية الثقافية أن تكون عنصراً رئيساً في تدريب مسؤولي " الخدمة الخارجية".
هناك بُعد ثقافي هام آخر لتحليل الأحداث في بلدان أخرى. ينبغي على ديبلوماسيينا التساؤل عن الطرق التي يُظهر بها القادة حصافتهم في شؤون الدولة وفي عملية صنع القرار السياسي. ماهي التوقعات الموجودة في أوساط الأفراد المتعلمين عموماً بحيث يبدي قادتهم حكمة وتعقل وحيطة في إجراءاتهم؟ ماهي الهواجس الموجودة لديهم بحيث يكون قادتهم ماكرين، يقظين وقساة؟ كيف يمكن لمسؤولي السفارة تمييز الصفات والخصائص الأكثر عمقاً والموجودة في قادة بلد ما؟
إن أحد الأماكن للبدء بالتحليل تكون بالبحث في معتقدات القادة بشأن أدوارهم ورؤاهم للمجتمع الذي يحكمونه. فإذا كانوا في مواقع هيمنة لسنوات عديدة ومحميين من الإضطرابات الإجتماعية والسياسية من قبل وكالات الإستخبارات، الشرطة، والجيش، عندها فإنهم قد يفترضون بأن أية تظاهرات شعبية هي إنحرافات عن المعايير الثقافية التقليدية ويردون وفقاً لذلك بتجميع وسجن وتعذيب أو تهديد زعماء العصابة والمنشقين والمفكرين إضافة الى آخرين يعتقدون بأنهم قد يكونوا يغذون الإضطرابات وبذلك فإنهم يشكلون تهديداً بالنسبة لهم. نمطياً، يلوم الديكتاتوريون محرضين خارجيين عندما تنتشر تظاهرات شعبية. فإذا كانت هذا التكتيك قد نجح في الماضي بقمع  الإضطرابات الشعبية، فإنهم قد يفترضون بأنهم قد قاموا بإتخاذ قرارات حكيمة فيستمروا بهذا السلوك. لقد إعتادوا على التعامل مع تظاهرات محدودة ولذا، فإنهم أقل إستعداداً للتعامل مع ثورة إجتماعية أو سياسية كبرى. الوضع في سوريا مثال على ذلك. فبما أنهم غير مسؤولين عموماً أمام الجماهير الشعبية أو أمام ممثليهم، فقد لا يدرك الديكتاتوريون، خلال وقت قصير كاف، بأن التشويش يمكن أن ينمو وتزيد ليصبح مشاكل كبيرة تهدد قيادتهم. وفي حين أنهم يحاولون فهم الواقع المتغير للأحداث على الأرض، فإن أساليبهم التقليدية بالتعامل معها يمكن أن تطغى على محاولة الفهم تلك بسبب تجاهلهم وإندفاع الأحداث.
كتب " جون ميتشام" عن مفارقة تواجه كل القادة بصرف النظر عن تنظيمهم أو توجههم السياسي أو الثقافي: بأن معرفتهم قابلة للخطأ وناقصة وبأنهم كلما أعتقدوا أكثر بأنهم على دراية بالأمور، كلما كان خطر إشتغالهم بالتجاهل أكبر. لتحليل " ميتشام" مضامين بالنسبة لديبلوماسيين يحاولون  فهم الأحداث المتحركة بسرعة. وفي حين أنهم قد يحصلون على إمكانية وصول الى معلومات تتعلق بصنع القرار في أوساط قيادة البلد، فإنهم يستمرون بمواجهة المفارقة وهي أن هذه المعلومات الجديدة تدخل الغموض، الشكوك والتعقيدات في تحليلاتهم. عليهم أن يأخذوا بالإعتبار ويدرسوا معلومات متناقضة قد تؤكد أو لا تؤكد إستنتاجاتهم وإستخلاصاتهم حول الأحداث السياسية وسلوك القيادة.
كتب " ميتشام" يقول بأن " الحصافة موقف متخذ من قبل أشخاص تجاه معتقدات، قيم، معرفة، معلومات، قابليات، وكفاءات ومهارات مكبوحة ومسيطر عليها، ما يعني ميل للشك بأن هذه الأمور صحيحة بالضرورة أو فعالة والشك بأن تكون مجموعة شاملة من تلك الأمور التي بالإمكان معرفتها. ففي عالم مائع، يعلم الحكماء بأنهم لا يفهمون بالكامل ما الذي يحدث الآن، لأنهم لم يروا هذا الحدث، بالتحديد، من قبل أبداً. هذه وجهة نظر "دومينيك بارتون".
 
بالنسبة لخبراء الشؤون الخارجية، فإن الديبلوماسيين معرضين لعدد من البيئات والتأثيرات الثقافية والإجتماعية في الوقت الذي يخدمون فيه بالخارج. في كل الأحوال، ونظراً للطلبات من واشنطن، غالباً ما يكون عليهم التركيز على تطوير المعرفة حول مواضيع وأحداث محددة ضمن إطار زمني محدد. أحياناً يمكن لتركيزهم أن يكون ضيقاً جداً. يمكن أن يصبحوا ضحايا النظرة الحكيمة التقليدية والنفعية التي يمكنها أن تؤثر على الكيفية التي يكتبون بها تقاريرهم.
فإذا كان الديبلوماسيون سيطبقون " القوة الذكية" ويغيِّرون تفكيرهم حول عملهم، عندها ينبغي تغيير  أشكال التحليل التقليدية. عليهم التفكير بالذي لا يمكن التفكير به كما يقول " جوشوا كوبر". مع ذلك، وفي أجهزة بيروقراطية محافظة وتقليدية في وزارة الخارجية الأميركية، كيف يمكن للتفكير الغير تقليدي أن يحظى بقبول أكبر؟ كيف يمكن للمخالف تجنب التهميش من قبل زملائه / زملائها، عندما لا يتفق/ تتفق، مع وسائط التحليل والتفكير التقليدي؟ كيف يمكن لهؤلاء تجنب التنميط الحتمي في العمليات التحليلية وتسديد الضربات بإتجاهات جديدة؟
إحدى الطرق للإدراك والفهم هي أن أي بحث للحصول على معلومات جديدة تعتبر خبرة جديدة  وكذلك خبرة مبنية على تجارب سابقة. إنها جديدة بقدر ما تكون المواضيع الخاضعة للتحقيق قد تغيرت، وبقدر ما تكون الظروف مختلفة، وقد يكون اللاعبون الأساسيون قد تغيروا. في نفس الوقت، لا يمكن أن يسمحوا لأنفسهم بأن يكونوا حذرين جداً في تحليلاتهم بحيث يتجنبون تحدي ومعارضة التفكير التقليدي بما فيه عاداتهم الفكرية الخاصة.
تبرز الحكمة والحصافة عندما يدرك ويتقبل المسؤول عن التقارير التناقضات الموجودة بما يحاول/تحاول القيام به. وتثبت المسألة بأنا أكثر إفادة عندما يكون الديبلوماسيون أكثر تعاطفاً مع الثقافات والقيم الأجنبية ويدركوا دور الطقوس والتأثيرات الثقافية على العلاقات الدولية. فالتجارب السابقة لا ينبغي رفضها بالضرورة  وإنما ينبغي إيلائها وزناً أقل عند مقاربة مواضيع جديدة وظروف متغيرة. هذا سيساعد المسؤول على تجنب الثقة المفرطة بالنفس والسقوط في فخ تقبل الفرضيات لأجل الوصول الى إستنتاجات. بدلاً من ذلك، ينبغي له / لها ممارسة فضول صحي مخفف بالشك في التعامل مع الحقائق عند محاولة جمع قطع المعلومات معاً مما قد يقود الى رؤية أكثر عمقاً لوضع الشؤون الحالية.
تتطلب الحكمة والحصافة أيضاً تشارك المعلومات بين زملاء العمل.هذا ضد جزء كبير من التقاليد المعمول بها في وزارة الخارجية حيث إكتساب المعلومات يمكن أن يضفي على المرء مزيداً من القوة والمكانة إعتماداً على الكيفية المستخدمة بها هذه المعلومات. مع ذلك، من الحيوي أن يتم تقاسم المعلومات في السفارة  لتحليل الأحداث الجارية، خاصة في الأزمات الإجتماعية والسياسية. هذا قد يتطلب تحدي نظام الدور الموجود والمبني على أساس هرمية قديمة العهد. بإمكان تقاسم المعلومات ومناقشتها مع الزملاء أن يعزز معنى هذه المعلومات ويقود الى فهم ثاقب وقاطع أكثر للعناصر التي تحتويها. إن المشاركة قد تساعد على تجاوز الإنسجام والمطابقة الهرمية وتوسع دائرة الثقة بين الزملاء حول صلاحية أو معقولية  المعلومات. بإمكان مشاركة أكثر إنفتاحاً بين الزملاء أن تساعد آخرين على التحقق من صحة ملاحظات المرء الخاصة. في نفس الوقت، ينبغي على مسؤول التقارير الفردي إحترام ملاحظاته/ ملاحظاتها و تصوراته / تصوراتها في الوقت الذي يسعى فيه الى دمجها مع تلك التي لزملائه من دون اللجوء الى إنتقاص الذات أو الإنتقاص من ملاحظات ومعتقدات الآخرين.
بغياب الثقة، الصدق والنزاهة، وإحترام النفس بين أعضاء مجموعة ما، فإن بإمكان التفاعل الخاطئ أن يقود إلى خوف متزايد، تواصل سيئ، والأسوأ من كل ذلك، أن يقود الى كارثة.  يبدو بأن هذا ما كان حاصلاً في أوساط صناع القرار في البيت الأبيض، NSC ( مجلس الأمن القومي)، وزارة الخارجية، والـ CIA في الأسابيع التي قادت إلى إحتجاز الديبلوماسيين الأميركيين كرهائن في طهران. فكلما كانت الأزمة تصبح أكثر خطورة وحراجة بخصوص وجوب ترك شاه إيران يدخل الى الولايات المتحدة، كلما كانت حالة عدم الثقة وسوء التواصل تصبح أكبر وتزايدت الهفوات بالحكم أكثر. وأصبح التخمين الثاني عاملاً رئيساً في عملية صنع القرار برغم تدفق التقارير المستمر والثابت من السفارة الأميركية في طهران. في النهاية قرر الرئيس كارتر بأن يأخذ الشاه الأسبقية على حساب أمن وصالح ديبلوماسيينا في طهران.
وفي حين أنه قد يكون مسؤولو مجلس الوزراء والمستشارين الرئاسيين إعتقدوا في ذلك الحين بأن قرار الرئيس هو مسار العمل الوحيد، فإن التوترات المتنامية بين أعضاء دوائر ووكالات مجلس الوزراء المختلفة أدت الى تقليص هامش الثقة الموجود في فعالية الإجراءات الفردية وساهمت بشعور العزلة الفردية. هذا الشعور، أكثر من إحترام الذات والإيمان بمعتقدات المرء الخاصة، كان ساحقاً بالنسبة لكثيرين منخرطين في العمليات التداولية. كانت النتيجة فشل سياسي كارثي بحيث أن الولايات المتحدة لا تزال تتعامل مع هذا الفشل بعد 32 عاماً من حصوله.
يبدو أيضاً بأن الحال كان كذلك في الأشهر والأسابيع التي قادت الى قرار الرئيس بوش بشن حرب إستباقية ضد صدام حسين في العراق عام 2003 قبل أن يكون لدى العقوبات الإقتصادية الدولية الفرصة بأن تحقق كامل تأثيرها وقبل السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ( IAEA) بالعودة الى العراق. إن نجاح عملية " عاصفة الصحراء" عام 1991 في طرد القوات العسكرية العراقية من الكويت والولاء الشخصي للرئيس قادا الى تلفيق السلطة للحقيقة. كان لدى الحكومة الأميركية ما بعد هجمات 11 / 9 مذكرة للمضي بالحرب الإستباقية. وقد ألقت الإستنتاجات الصريحة للسفير  جوزيف س. ويلسون بخصوص دلائل في النيجر الضوء على علاقة التوتر وقد تكون، ويا للسخرية، دفعت بنائب الرئيس تشيني والداعمين له لكي يصروا على مسار عمل أكثر عدائية ضد العراق. وقد كشف خطاب وزير الخارجية كولن باول في 5 شباط، 2003 أمام مجلس الأمن الدولي حول أسلحة الدمار الشامل العراقية بأن الإيديولوجية، وليس الدليل الذي يمكن التحقق منه، هو ما كان يسير عملية صنع القرار في البيت الأبيض. في النهاية، لقد هيمنت المعتقدات السياسية لجماعة صغيرة من الناس عليهم، وبالنسبة لمعظمهم ساد إعتقاد بأن هناك شيئاً ما ينبغي فعله، وينبغي أن يتم ذلك قريباً.
لفقت المقتضيات والضرورات السياسية تحليلاً حكيماً وتجاهلت الإفتقار إلى المعرفة القاطعة حول وضع البرنامج لنووي لصدام حسين ووجود أسلحة دمار شامل قابلة للإنتشار. إذ أن المعلومات التي حالت دون الإندفاع الى حرب قد تم تجاهلها وإسقاطها أيضاً. فـالأمر " السهل التحقق" الذي إدعاه بعض مسؤولي إدارة بوش بخصوص غزو العراق، كشف عن إفتقارهم للفهم برغم سنوات من التقارير المرسلة من سفارتنا في بغداد ومن سفاراتنا في بلدان أخرى مجاورة. كما أظهر حدود الديبلوماسية والتحليل ومخاطر صنع القرار على أساس فرضيات إيديولوجية. لقد برهن، مرة أخرى عن غطرسة القوة الأميركية.
يبقى أن نرى ما إذا كانت عمليتيْ الغزو للعراق وأفغانستان ستنتهي بإستقرار إقليمي أكبر وببزوغ حكومة أكثر تمثيلاً و حريات ومجال إختيار أكبر لمواطني هذين البلدين وكل المنطقة. لقد دفع العراقيون والأفغان أثماناً باهظة جداً بسبب التدخل الأميركي، كما دفع الجيش الأميركي وموظفي التطوير وعائلاتهم أيضاً ثمناً باهظاً بدورهم. من الواضح الآن بأن الشعب الأميركي سيتحمل الأعباء المالية والسياسية لسنوات عديدة مقبلة بسبب قرارات إتخذها قادته المنتخبين في كل تلك السنوات منذ هجمات 11 أيلول، 2001. يبقى أن نرى ما إذا كان بإمكان ديبلوماسية جديدة أن تحسن من وضع الأمن القومي الأميركي وتفوز بدعم أكبر في أوساط القادة والشعوب الأجنبية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
الديبلوماسية، التحليل، وصنع القرار – الحاجة الى نموذج جديد
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: ******** لسا نـــــــــــــــــــــــس ******** :: السنة الثالثة علوم سياسية ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات ) :: عـــلاقــــــــات دولــــيــــــة ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات )-
انتقل الى:  
1