منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مذكرة بناء السلم في مالي - الفرص و التحديات -
من طرف salim 1979 السبت يونيو 09, 2018 12:31 am

» تفاءل يا أخ الأحزان، فإن النصر في الصبر
من طرف ahlm22 السبت مايو 26, 2018 5:09 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2017
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:58 pm

» التنافس الدولي على الموارد الطبيعية في افريقيا بعد الحرب العالمية الثانية
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:57 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2018
من طرف salim 1979 الجمعة مايو 25, 2018 7:03 pm

» الحرب وضد الحرب
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:51 pm

» التحول والانتقال الديمقراطي: النسق المفاهيمى
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:46 pm

» تحميل الثقافة العالمية العدد 177
من طرف salim 1979 الخميس أبريل 12, 2018 3:53 pm

» أعداد مجلة المعرفة السورية
من طرف salim 1979 الإثنين أبريل 02, 2018 9:23 pm

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ

شاطر | 
 

 عقبات تفعيل المنظمة غير الحكومية في حوكمة بناء السلام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5137
نقاط : 100011845
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: عقبات تفعيل المنظمة غير الحكومية في حوكمة بناء السلام   الأربعاء سبتمبر 16, 2015 2:01 am

د:عادل زقاغ أستاذ محاضر بقسم العلوم السياسية أ: هاجر خلالفة جامعة باتنة ، الجزائر   
الجمعة, 18 يوليو 2014 20:37

ملخص:

يهدف المقال إلى إبراز الدور الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية في حوكمة عمليات بناء السلام بما يخدم تصور السلام المتساند. تعتمد هذه الدراسة على استعراض مجمل مجالات تدخل المنظمات غير الحكومية وكذلك تحديد أهم معوقات تفعيل دورها في مرحلة بناء السلام. وقد توصلت الدراسة إلى تحديد ثلاثة عناصر أساسية تحد من فعالية المنظمات غير الحكومية في مساعي بناء أسس "سلام متساند"، وهي تتعلق بـ: بحجم ومدى تدفق التمويل ومصدره، مدى تقبل المكونات المجتمعية لها، وكذلك اصطدامها بخصوصيات مجتمعية محلية تتعارض في الكثير من الأحيان مع الوصفات التي تقدمها "المنظمات غير الحكومية". وهي وضعية تستوجب إجراء تصحيحات بنيوية لتحسين فعالية آليات العمل على ضوء جوانب القصور التي يمكن استشفافها في تجارب هذه المنظمات.

Abstract:

            This study highlights the role of NGO’s in the governance of peace-building missions. First we reviewed the multidimensional tasks performed by the NGO’s to sustain a stable peace, then, we explored the restraining factors challenging the effectiveness of NGO’s intervening strategy. Finally, three main obstacles have been pointed out: Limited funding options and bias-related issues; cultural bias that impedes a true involvement of NGO’s and legitimacy-oriented issues that may end into a refusal of NGO’s presence. Thorough structural remedies have to be performed to improve the intervention mechanisms of NGO’s in peace-building efforts.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

مقدمة:

تمحورت نزاعات فترة ما بعد الحرب حول محددات هوياتية ساهمت في استعداء المجموعات ضد بعضها البعض ضمن إقليم الدولة الواحدة، ما ساهم في تحول حاسم لطبيعة الحروب من كونها حروب بين الدول إلى حروب داخلية، وهو ما جعلها أيضا تستعصي على الطرق التقليدية للحل التي تكفلها الأساليب التدخلية البسيطة للفواعل الرسمية. ومن هنا كان اللجوء إلى أنماط جديدة للتدخل ساهمت في جر عدد من هذه النزاعات نحو الانفراج الجزئي، إلا أن تحديات أخرى استمرت في تحدي مساعي إقرار السلام خلال مرحلة بناء السلام، التي تترجمها عمليات إعادة الإعمار والبناء، والتي من شأنها أيضا وضع استراتيجيات عمل تهدف إلى نقل المجتمع إلى مرحلة أكثر أمنا واستقرارا.

ولعل الحديث عن هذه المرحلة مرهون بالتعرض لمختلف الأدوار التي تؤديها مجمل الفواعل الرسمية وغير الرسمية في اعادة بناء المجتمع والدولة على حد سواء، ويحاول هذا المقال التركيز على إحدى هذه الأدوار وبالذات ذاك الذي تلعبه جهات غير رسمية ممثلة في المنظمات غير الحكومية بالإجابة عن الإشكالية التالية: إلى أي مدى يمكن للمنظمات غير الحكومية تعزيز منطق المشاركة الفاعلة في حوكمة عمليات بناء السلام بما يخدم تصور السلام المتساند؟

للإجابة على التساؤل المحوري لهذه الدراسة، ومحاولة بناء تصور واضح حول الموضوع، ارتأينا عرض وتحليل وتقييم مجموعة من النقاط الأساسية التي تتناول موضوع دراستنا هاته، لنصل في الأخير إلى توضيح معالم الدور الذي تلعبه هذه الفواعل وفق المحاور التالية:

I- الأسانيد التصورية لحوكمة عمليات بناء السلام.

II- المستويات التصورية والعملية لإسهام المنظمات غير الحكومية في عمليات بناء السلام.

III- معوقات تفعيل عمل المنظمات غير الحكومية في بناء السلام.

I- الأسانيد التصورية لحوكمة عمليات بناء السلام:

تشير حوكمة عمليات بناء السلام إلى تلك التوليفة الناتجة عن مجموع العمليات التي تقوم بها مختلف الفواعل من أجل إرساء السلام وتدعيمه بعد انتهاء النزاع، وسنحاول من خلال هذه النقطة التعرض لمختلف التأصيلات المفاهيمية-النظرية  لكل من الحوكمة وبناء السلام لإزالة اللبس الحاصل حول طبيعة وماهية العلاقة بينهما بما يخدم التصور العام للموضوع.

1- تأصيل مفهوم الحوكمة:

إن الحوكمة هي نتيجة التفاعل الوظيفي بين مكوناتها الثلاث ممثلة في: الدولة، القطاع الخاص، والمجتمع المدني وهو ما ذهب إليه عدد من الباحثين، ومن بينهم الباحثان: "ماركوس ليدرر" Markus Ledrerو"فيليب موللر" Philip Mullerالذين أطلقا على هذه المكونات تسمية "مثلث الحوكمة"1. ونتيجة لكل ما تم عرضه نجد أن الحوكمة ترتكز في مجملها على مجموعة من الأركان والتي نذكر منها:2

§        المساءلةAccountability :والتي تعني خضوع مختلف المؤسسات سواء كانت رسمية أوغير رسمية إلى المحاسبة.

§        الشفافيةTransparency : وترمي إلى العلنية في مناقشة مختلف المواضيع وحرية تداول المعلومات.

§        العدالة والمساواةJustice & Equality:وتفيد تطبيق القانون على مختلف شرائح المجتمع دون التمييز بينهم، وتوفير الفرص لجميع أفراد المجتمع.

§        التمكين Empowerment: وتشير إلى توسيع قدرات الأفراد بتوفير البيئة الملاءمة التي تساعدهم على تحقيق أهدافهم.

§        المشاركة Participation: وتعني السماح لجميع المواطنين بالمشاركة في مختلف مجالات الحياة.

ولا شك ان توافر هذه الأركان في أي مسعى لضبط العلاقات ضمن مستويات الحوكمة المتباينة من شأنه أن يساهم في تعظيم الفعالية، سيما تقليص التكاليف المرتبطة بالعملية. وإذا راجعنا تجربة المجتمع الدولي في تفعيل بعثات حفظ السلام وبناء السلام خلال فترة التسنعينيات نستشف أن عامل التكاليف المرتفعة (الخسائر البشرية والمادية) بالإضافة إلى عدم تساند فترات السلم القصيرة التي تمكنت البعثات من إقرارها. كل ذلك مدعاة لمراجعة أساليب عمل هذه البعثات بحيث يتم إقرارها بناء على مقاربة "تشبيكية" تعتمد على تصميم عمليات حفظ-بناء السلام بإشراك المنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية في مسعى متكامل لبناء أسس سلام متساند يرتكز على الأركان الخمس للحوكمة المذكورة أعلاه. وقبل التعرض لآليات تطبيق مقاربة مماثلة، يجدر، بالمثل، توضيح بعض المفاهيم المرتبطة ببناء السلام.

2- التأصيل المفاهيمي-النظري لبناء السلام:

           يعتبر بناء السلام أحد المفاهيم الأساسية التي تُعنى بمرحلة ما بعد النزاع لخلق بيئة جديدة خالية من العنف، وكنظير للدبلوماسية الوقائية التي تسعى إلى تفادي الوقوع في أزمات جديدة وأفول مقومات التعايش والاستقرار. لقد تعددت الطروحات حول ظهور الملامح الأولى لمفهوم بناء السلام، حيث يذهب الكثير من الباحثين إلى اعتبار أن بناء السلام هو أحد المفاهيم الجديدة التي طورتها هيئة الأمم المتحدة تماشيا مع التحولات التي أفرزتها بيئة ما بعد الحرب الباردة، ويعود الفضل في ذلك إلى الأمين السابق لهيئة الأمم المتحدة "بطرس بطرس غالي" الذي أعد تقريرا سنة 1992 والذي يٌعرف ببرنامج أو خطة السلام3. قدم "بطرس غالي" رؤيته حول تعزيز قدرة الأمم المتحدة على صياغة وتحقيق مفهوم شامل ومتكامل لإرساء السلم والأمن الدوليين، مُضمّنا إياه حلقة متكاملة مُشكّلة بالأساس من أربعة مصطلحات رئيسية ألا وهي: الدبلوماسية الوقائية، صنع السلام، حفظ السلام، وبناء السلام. ومن هنا فإن مصطلح بناء السلام هو من المصطلحات الجديدة الوافدة إلى القاموس السياسي.4 في حين يذهب البعض الآخر من الباحثين إلى أبعد من ذلك باعتبار أن الملامح الأولى لمفهوم بناء السلام تلقى مرجعيتها في نقاط "ويلسون" الأربع عشرة، التي لازال يُنظر إليها على أنها ركائز لديمومة السلام بعد الحرب العالمية الأولى، ووسيلة للحفاظ على المكتسبات التي تم تحقيقها على طريق إرساء السلام، وذلك بواسطة إقامة سلام توافقي وضمان ديمومته بإقامة مؤسسة دولية راعية له وهي عصبة الأمم5.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5137
نقاط : 100011845
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: رد: عقبات تفعيل المنظمة غير الحكومية في حوكمة بناء السلام   الأربعاء سبتمبر 16, 2015 2:01 am

أما الشق الثالث والأخير فيُفضّل الطرح المتعلق بأن المفكر الباحث "يوهان قالتونغ" Johan Galtungهو من وضع الأسس الرئيسية لحل النزاعات وبناء السلام، في النصف الثاني من القرن العشرين، من خلال عمله على "السلام الإيجابي" و"مستويات العنف الثقافي"، وبذلك فمفهوم السلام حسب "قالتونغ" يعني عملية خلق هياكل الدعم الذاتي التي تقضي على أسباب الحروب –العنف المباشر- وتقديم بدائل لها في حالة حدوثها6. وبذلك فإن المتمعن في مفهوم بناء السلام لـ"غالتونغ" يجد أن عملية بناء السلام تُجسد المرحلة التي يتم فيها إعادة بناء المؤسسات سواء كانت سياسية، اقتصادية أو اجتماعية وهي العملية التي من شأنها توفير كل ما يحول دون الرجوع إلى العنف، وكذلك يتعلق الأمر بفحص مدى قدرة هذه المؤسسات على التكيف وطرح البديل في حالة الانتكاس مجددا نحو النزاع. ما يمكن أن نخلص إليه، هو أن مفهوم بناء السلام كما هو عليه الآن كان نتيجة لكل ما تم ذكره، إذ استوحى من مبادئ ويلسون الأربعة عشرة وتمت بلورته مؤسساتيا مع تقرير الأمين العام بطرس بطرس غالي سنة 1992 بعد أن تم تناوله كطرح نظري من قبل مفكرين وعلى رأسهم الباحث "قالتونغ" الذي قدم إطارا نظريا شاملا لحل النزاع وبناء السلام.

لكن وإلى جانب الجدل الحاصل حول مرجعيته التأسيسية لاقى تعريف بناء السلام هو الآخر تحديات عديدة، إذ افتقر إلى وجود تعريف محدد له وقد يرجع ذلك إلى أسس وطبيعة عملية بناء السلام وفقا للجهة التي تتناولها، حيث عرّفه الامين العام للأمم المتحدة "بطرس غالي" في تقريره المقدم أمام مجلس الأمن المقرر في 17 جوان 1992 بأنه: "العمل على تحديد ودعم الهياكل التي من شأنها تعزيز وتدعيم السلم لتجنب العودة إلى حالة النزاع"7. ووفقا لتعريفه هذا نلمس إشارة واضحة إلى دور الأمم المتحدة في دعم هياكل الدولة المعنية بعملية بناء السلام، سواء تعلق ذلك بالجانب الأمني المؤسساتي، أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

        في حين تناول "البرنامج التنموي للأمم المتحدة" UNDPبناء السلام على أنه: "مجموعة من التدابير الهادفة إلى الحد من مخاطر الانتكاس أو العودة إلى النزاع من خلال تعزيز القدرات الوطنية على جميع المستويات لإدارة النزاع، وإرساء أسس السلام المستدام والتنمية المستدامة، كما يجب أن تكون استراتيجيات بناء السلام متماسكة ومصممة خصيصا لتلبية احتياجات البلد المعني"8. وحيث أن هذا التعريف يركز على التعاضد بين التنمية والسلم فإن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  OCDEتميل إلى التحسيس بأهمية بناء ثقافة السلم حيث ترىأن: "بناء السلام يتضمن النشاطات الهادفة إلى منع نشوب النزاع من خلال معالجة البنى والأسباب الرئيسية للنزاع، وتعزيز السلام المستدام، ونزع الشرعية عن العنف كاستراتيجية لحل النزاع، وبناء القدرات داخل المجتمع لإدارة النزاعات بالطرق السلمية، والحد من التعرض للمحفزات المسببة للنزاع"9 .

يشتمل مسار بناء السلام على الاستراتيجيات التي تعمل على منع النزاعات من الاشتعال مرة أخرى أوالتصعيد أو الانتكاس، ومن ذلك إرساء المؤسسات، وميكانيزمات التفاوض، والإعلام، والمصالحة فهي تشكل حزمة مركزية في عمليات بناء السلام. وبالتالي يمكن القول بأن بناء السلام هو مصطلح مرتبط أساسا بمرحلة ما بعد النزاع، أين يتم تسخير كل القدرات والإمكانيات سواء كانت مادية أو بشرية لإعادة بناء مؤسسات قائمة على أساس العدالة والمساواة، تضمن الحقوق والحريات دون وجود تفرقة اثنية أو لغوية، وأين يلعب المجتمع المدني بشتى أنواعه وكذا القطاع الخاص دورا مهما في عملية التنمية بالاعتماد على مجموعة من الإجراءات والترتيبات التي من شأنها التقليل من المتناقضات التي دفعت إلى النزاع وتعزيز عوامل الثقة بين أطرافه من أجل إرساء أسس السلام المتساند ووضع أسس التنمية المستدامة التي تحول مجتمعة دون الانزلاق مجددا نحو النزاع.

والمثير للإنتباه، أنه ومنذ نهاية الستينيات بدأت بعض الجامعات والمراكز الأكاديمية في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية في تخصيص دورات دراسية لميدان البحث في السلام والنزاع، ثم تطور ذلك إلى تأسيس برامج أكاديمية لدراسات النزاع والسلام كمجال أكاديمي مستقل10، مما أدىإلى بروزالعديد من النماذج المعرفية التي حاولت تقديم قواعد عامة للتفسير من خلال الاستناد إلى مجموع المفاهيم والافتراضات التي جاءت بها، إذ حاول العديد من المنظرين من خلال دراساتهم الحديثة وصف كيف، ولماذا، ومن يُحدث النزاعات، وقد كان للعديد من هذه النظريات صلة مباشرة بتطور نظرية بناء السلام.

ومن النظريات التي ساهمت في تطور هذا الحقل المعرفي نجد نظرية السلام الديمقراطي احدى التيارات المثالية للنظرية الليبرالية التي لاقت زخما كبيرا نتيجة ارتكازها على فكرة أن الديمقراطية هي المصدر الرئيسي للسلام، وتمثلت الحجة البارزة في انتشارها إلى كون انتشار الديمقراطية من شأنه أن يؤدي إلى إرساء الأمن الدولي11،وقد اقترنت نظرية السلام الديمقراطي بشكل كبير بكتابات "بروس راسيت"Bruce Rasset و"مايكل دويل" Michael Doyle في حين تعود الجذور التاريخية لهذه النظرية إلى منطق "إيمانويل كانط" Emmanuel Kant الذي يُعتبر كتابه السلام الدائم أوPerpetual Peace من مرجعيات المدرسة المثالية في العلاقات الدولية، وهو المؤلف الذي اقترح فيه شروط إرساء السلام الدائم12.

لقد تأثر "دويل"بأعمال "كانط"، وانعكس ذلك في أعماله، إذ رأى بأن كلا من التمثيل الديمقراطي والالتزام الإيديولوجي بحقوق الإنسان، والترابط العابر للحدود يفسر اتجاهات الميل نحو السلام التي تتميز بها الدول الديمقراطية، وأضاف بأن غياب هذه الصفات يُفسر السبب الذي يجعل الدول غير الديمقراطية تميل إلى الحرب. كما ذهب "راسيت" إلى اعتبار أن القيم الديمقراطية ليست العامل الوحيد الذي يجعل للدولة بتجنب الحرب، فمما لا شك فيه أن القوة والتأثيرات الاستراتيجية تُؤثر في حسابات جميع الدول، بما في ذلك الديمقراطيات مما يؤدي إلى ميل كفتها أحيانا، ويضيف بأن القيم الديمقراطية لا تكفي وحدها في القضاء على الحروب13.

بفضل النقاشات التي تناولتها هذه النظرية حول الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية وكيف أن الديمقراطية تلعب دورا في الحد من النزاعات أو حتى تقليلها، نجد أن تحليلاتها المعمقة توضح سبل المساهمة في تحقيق السلام من خلال القضاء على النزاعات ودور مختلف الفواعل في خلق دول جديدة خالية من النزاعات قائمة على أسس الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما يتوافق مع مرحلة بناء السلام، أين يتم العمل على إرساء أسس جديدة تتوافق والقيم الديمقراطية الليبرالية، وأين تلعب المنظمات غير الحكومية دورا مهما في ذلك، وهوما ذهبت إليه هذه النظرية بأن المنظمات الدولية هي احدى السُبل التي يمكن أن تنشر الديمقراطية والقيم الليبرالية، وتُوسّع مناطق السلام، حيث أن NGOsالمهتمة بحقوق الإنسان وحل النزاعات تلعب دورا كبيرا في تطوير نهج صنع وبناء السلام العالمي14.

من جهة أخرى مثلت نظرية السلام السلبي والإيجابي لـ "يوهان قالتونغ" إحدى المساهمات القيمة في مجال بناء السلام، الذي وإثر دراسته للسلام والعنف توصل إلى أن هناك نوعين من السلام اللذان في حالة الجمع بينهما يقودان إلى تحقيق السلام المستقر، في حين غياب هذين الإثنين من شأنه أن يعزز من العنف:

1-              السلام السلبي: ويشير إلى غياب العنف الشخصي أوالعنف المباشر بمعنى الحرب.

2-              السلام الإيجابي: والذي يعني غياب العنف البنيوي أو الثقافي.

ركزت المفاهيم التقليدية للعنف المباشر على منع العنف واستخدام الوساطة لحل المشاكل، وهو ما اصطلح على تسميته بالسلام السلبي. ونتيجة لذلك فإن الاستقرار الدولي غالبا ما كان يحدث عبر اتفاقيات الردع المدعومة بالقوة العسكرية، وهو ما يتماشى مع النزاعات ما بين الدول، أين تكون السلطات المركزية للدولة قادرة على الأمر بوقف اطلاق النار. ولكن هذا يكون صالحا فقط في حالة النزاعات ما بين الدول، فعلى المستوى الداخلي يختلف الأمر، فداخل الدولة تكون هذه الوسائل أقل استخداما نتيجة لوجود العديد من القضايا المتشابكة15.في حينقدم السلام الإيجابي مفهوما عاما للسلام الذي يرتبط بتطوير الشروط العادلة والمنصفة ويشير إلى غياب العنف البنيوي، وبالتالي فالسلام الإيجابي هو الذي يُعنى بإزالة العنف البنيوي وتحقيق التنمية الاجتماعية من خلال المساواة بين الجماعات المختلفة الذي من شأنه أن يقلل من التوترات، كما أن القضاء على القمع الاجتماعي ومعالجة الفقر ضروري للسلام الاجتماعي. بالإضافة إلى أن السلام الإيجابي حسب هذا التصور هومرادف لبناء السلام وإرساء أسس "السلام المستدام" الذي تكون فيه عمليات التنمية بشتى مجالاتها مهمة فهي تؤثر على نوعية الحياة التي سيعيشها الأفراد، وهي في الحقيقة أهداف أساسية لفواعل وعمليات مرحلة ما بعد النزاع.

ومن منظور آخر،قامت نظرية الإحتياجات الإنسانيةعلىافتراضأنجميعالبشرلديهماحتياجاتأساسيةيسعونلإشباعهاوأنالنزاعاتتحدثوتتفاقمعندمايجدالإنسانأناحتياجاتهالأساسيةلايمكنإشباعهاأو أنهناكآخرينيعيقونإشباعها. ويعتبر "جون بورتون" John Burtonو"يوهان قاتونغ" Johan Galtung من أهم مناصري هذه النظرية. يُفرّقمؤيدو هذا التوجه بينالاحتياجاتوالمتطلباتويرونأنعدمإشباعالأولىهو مصدر النزاعاتوليسالثانية.16 يحاجج هؤلاء في أن الأفراد يحتاجون إلى مجموعة من الفرص من أجل المضي قدما والعيش وتحقيق النجاح في المجتمع، وحرمانهم من ذلك يؤدي إلى انتقادهم لتصورات الخصم، وتنصب الانتقادات في طريقة ترجمة الأفراد للعمليات وبنية النظم من حولهم، ويضيف "بورتون"أن طريقة تفكير الأفراد يقودها الأفكار النمطية ورغبتهم في تحقيق النجاح، وبذلك اقترح نظرية اختزالية حول طرق وصف العنف البنيوي من خلال مجموع الاحتياجات الإنسانية الأساسية17.وما يمكن استشفافه أن نظرية الاحتياجات الأساسية لـ"بورتون" نبذت المفهوم الذي يرى بأن النزاع يقوم على الإكراه والقوة، واقترحت بدلا من ذلك أن الأفراد يرغبون في مجموعة من متطلبات استمرار الحياة، ولكن لديهم كذلك احتياجات مرتبطة بالاعتماد على الذات والبقاء على قيد الحياة كالغذاء والماء، ويضيف بأن الأفراد لن يقبلوا الترتيبات المؤسساتية التي تُنكر تلبية الاحتياجات الانسانية الأساسية، فالطريق الوحيد للوقاية من النزاع الاجتماعي هو إرضاء أو توفير الإدراك بالرضا، والارتياح لتحقيق هذه الاحتياجات.

ما يمكن ملاحظته حول هذه النظرية هو أن تلبية احتياجات الأفراد في مرحلة ما بعد النزاع وتفهمها من قبل مختلف الفواعل من شأنه أن يعزز من استقرار تلك المرحلة فالاعتراف مثلا بلغة فئة مهمشة واعتبارها كلغة محلية من شأنه أن يُطور من معنويات تلك الفئة التي عانت التهميش مثلا، كما أن السماح لمختلف المجموعات الاثنية بالمشاركة في الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات أو تمتعهم بحق الترشح في المجالس المحلية من شأنه أن يلبي احتياجاتهم، ويدفع بهؤلاء الأفراد نحو الانتاج والمشاركة في عملية التنمية وبالتالي تعزيز مسار بناء السلام.

3- بناء السلام وبعض مفاهيم السلم والأمن الدوليين:

بعد أن تم إزالة الغموض عن مفهوم بناء السلام وتحديد المقصود به، سنحاول معالجة نقطة أخرى متعلقة أساسا بالتداخل الحادث بين مفهوم بناء السلام وبعض المفاهيم ذات الصلة، وسيتم ذلك على المستويين النظري والتطبيقي، بمعنى سنحاول ازالة اللبس الحادث نظريا من خلال تحليل وتصنيف كل مفهوم بتحديده وضبطه من جهة، وإبراز التطبيقات العملية لهذا المفهوم بتبيان مختلف العمليات الميدانية المتعلقة به من جهة أخرى.

أ-ثنائية (بناء السلام/بناء الدولة):

ظهرت العديد من المصطلحات المنمقة التي تم ربطها بالدولة، حيث نجد الدولة الهشة، الدولة الضعيفة، الدولة الفاشلة...وغيرها من المصطلحات التي تقارب للأوضاع التي توجد عليها بعض الدول في فترة ما وتحت ظروف معينة. ويعتبر مصطلح بناء الدولة إحدى هذه المصطلحات الحديثة التي تُعبّر عن مجموع العمليات التي يخضع لها إقليم تعرض حرب أو دمار، مما أفقد مؤسساته القائمة التي تمنحه صفة التدول، الكثير من مقوماته. وقد يشير مفهوم بناء الدولة أيضا للعمليات التي يقوم بها المجتمع الدولي من أجل إعادة بعث الدولة بعد تعرضها لنكسة ما. ويعتبر المفكر "فرانسيس فوكوياما" Francis Fukuyamaأكثر الباحثين اهتماما بهذا المجال، ففي كتابه: State Building Governance and World Order in the Twenty-First Century أو كما تُرجم إلى العربية: بناء الدولة، النظام العالمي ومشكل الحكم والإدارة18 ،تناول اشكالية بناء الدولة وربطها بالعديد من المتغيرات، إلا أن ما يهمنا في هذا المقام هو التعريف الذي قدمه "فوكوياما" لبناء الدولة، إذ ذهب إلى القول بأن: "بناء الدولة يعني تقوية المؤسسات القائمة وبناء مؤسسات جديدة فاعلة وقادرة على البقاء والاكتفاء الذاتي، وتقوية الأمة والنظام والمرافق والخدمات العمومية في الداخل، والدفاع عن الوطن ضد الغزو الخارجي، مرورا بتوفير التعليم واحترام البيئة، وانتهاء بوضع السياسات الصناعية والاجتماعية، وإعادة توزيع الثروة".19 ما يلاحظ على تعريف فوكوياما أنه يركز على دور المؤسسات الرسمية في عملية البناء، فهو يعالج مسألة قدرة المؤسسات على القيام بالوظائف التي أُقيمت من أجلها.

قياسا بمفهوم بناء الدولة، فإن مفهوم بناء السلام، يشتمل على مختلف عمليات الاعمار "المادي" والبناء "الرمزي" لأسس السلام في فترة ما بعد النزاع، وبذلك يختلف بناء السلام عن بناء الدولة في كون الأول طويل الأمد وقد يستمر لسنوات بعد انهاء النزاع، في حين أن بناء الدولة يكون لسنوات محددة تنتهي باكتمال انشاء المؤسسات. بل الأكثر من ذلك، حيث يعتبر بناء الدولة عملية من عمليات بناء السلام التي تسعى إلى اقرار السلام الإيجابي الذي يتميز بالتناغم الاجتماعي، احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان، وهو مدعوم من قبل المؤسسات السياسية القادرة على إدارة التغيير وحل النزاع.

ب-حلقة صنع السلام/حفظ السلام/بناء السلام:

يعتبر الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس غالي أول من طرح هذه المفاهيم الثلاثة وحددها بشكل صريح من خلال التقرير الذي قدمه في 17 جوان 1992 أمام مجلس الأمن، والذي جاء فيه:

-        صنع السلام:وهو العمل الرامي إلى التوفيق بين الأطراف المتعادية، لاسيما عن طريق الوسائل السلمية كالتي ينص عليها الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، المتضمن قائمة بوسائل حل النزاعات، وقد جرى تناول هذه الوسائل بالتفصيل في إعلانات عديدة اعتمدتها الجمعية العامة20. ويرى البعض أن استراتيجيات صنع السلام، تمثل عملا قريبا من الدبلوماسية الوقائية فآليات كليهما تكاد تكون واحدة من حيث اعتمادها على التفاوض – التفاهم – الوساطة – التحكيم – التوافق – الحل بالأساليب القانونية – العمل من خلال المنظمات الإقليمية –الالتزام باتفاقيات مسبقة أو بأية وسائل سلمية أخرى مثل الزيارات المتكررة للطرف الساعي للوساطة والضغط من أجل صالح السلام، أو حتى الوصول إلى التهديدات المعلنة تجاه الأطراف المتنازعة أو المتصارعة. ولكن الفرق الأساسي هنا هو أن النزاع يكون قد تحول إلى استخدام العنف، والعنف المتبادل، أو استخدام القوة المسلحة، أو على الأقل الاستخدام المفرط للقوة من طرف تجاه طرف آخر.

وتتضمن عملية صنع السلام مرحلتين أساسيتين: المرحلة الأولى وتهدف إلى استخدام الجهود السلمية السابق ذكرها من أجل إيقاف الصدام أو تحييده والوصول إلى استقرار الأوضاع على أرض النزاع ما أمكن. أما المرحلة الثانية والهدف يكون فيها أكثر من مجرد إيقاف الصدامات واستقرار الأوضاع على الأرض، بل إن الهدف هنا يكون الوصول إلى حل سلمي سياسي مستديم ينهي النزاع21. وما يلاحظ على عمليات صنع السلام هو أنها تتقيد بضبط النفس وحصر نطاق استخدام القوة، حيث أن هدفها الأساسي هو إيجاد بيئة يكون فيها للأطراف المعارضة لاتفاق السلام دور هامشي، مما يتيح استخدام انتشار قوات حفظ السلام. وبالتالي فعملية صنع السلام هي مرحلة أولية تسبق مرحلة بناء السلام وممهدة لمرحلة حفظ السلام، وهي في الحقيقة تشكل أولى الحلقات في عملية ارساء السلام.

-        حفظ السلام: وهو عملية توسيع امكانيات منع نشوب النزاع، وتتم عبر توزيع أفراد تابعين للأمم المتحدة في الميدان، ويتم ذلك بموافقة جميع الأطراف المعنية. كما تشمل عمليات حفظ السلام عادة اشراك أفراد عسكريين أو أفراد من الشرطة تابعين للأمم المتحدة، بالإضافة إلى موظفين مدنيين22. وتنحصر مهمة هؤلاء الأفراد في الفصل بين مختلف القوى المتنازعة، ومراقبة وقف اطلاق النار، بالإضافة إلى الإشراف على عمليات نزع الأسلحة أو انسحاب القوات المقاتلة، دون نسيان دورها الكبير في دعم وتسهيل عمل المنظمات الإنسانية وتقليص تدفق اللاجئين. وقد تطورت طبيعة عمليات حفظ السلام في السنوات الأخيرة لتشمل تأمين القوافل الموجهة إلى المناطق المنكوبة والإشراف على الانتخابات فضلا عن استمرارها في القيام بوظائفها التقليدية سالفة الذكر التي ساهمت في اقرار الاستقرار في العديد من المناطق التي شهدت درجة كبيرة من التوتر23.

وبذلك بالرغم من أن عمليات حفظ السلام تسبق عمليات بناء السلام فهي تشكل الأرضية الواجب توفرها حتى يمكن الانتقال إلى مرحلة بناء السلام.

-        بناء السلام: وهو كما تم الإشارة إليه سابقا يُعنى بمرحلة ما بعد النزاع، حيث يرى "جون بول لادراش"  John Paul Lederachبأن بناء السلام يُفهم كمفهوم شامل الذي يضم ويُولد ويديم مجموعة كاملة من العمليات، والمقاربات، والمراحل اللازمة لتحويل النزاع نحو علاقات سلمية أكثر استدامة. وبالتالي ينطوي على المدى البعيد على مجموع النشاطات التي تسبق وتتبع اتفاقيات السلام الرسمية، لأن السلام ليس مجرد مرحلة أو ظرف مؤقت وإنما هو عبارة عن بنية اجتماعية ديناميكية متكاملة24.

يتضح من هذا العرض المختصر أن المفاهيم الثلاثة متصلة ومكملة لبعضها البعض، وهي تشكل حلقة متكاملة تُجسدحالة من التراتبية –من الناحية الزمنية- تسير وفقها العلاقة بين هذه المفاهيم، بحيث لا يمكن بدء إجراءات بناء السلم إلا عندما تتم السيطرة على الصراع وإقرار الأمن أي بعد فرض السلام، ثم بعد ذلك يأتي حفظ السلم وذلك بافتراض أن "السلام السلبي" (غياب العنف المباشر) قد أعيد إلى نصابه، وأن المطلوب هو المحافظة عليه من الانتكاس، لتأتى مرحلة بناء السلام بعد انتهاء النزاع، وفيها يتم تحصين السلم (الإيجابي) لضمان ديمومة التسوية.ونظرا لتعقيد هذه المهمة قياسا بالمهام السابقة، وصلتها بالمكونات المجتمعية المحلية، فإنه غالبا ما توكل عديد الوظائف المتعلقة بها للمنظكات الدولية غير الحكومية، حيث سيتم من خلال المحاور التالية استكشاف الأسباب التي دفعت في اتجاه الاعتماد على الأدوار غير الرسمية التي تؤديها هذه الفواعل.

II- المستويات التصورية والعملية لإسهام المنظمات غير الحكومية في عمليات بناء السلام:

تملك "المنظمات غير الحكومية" NGOsمؤهلات وإمكانيات معتبرة جعلت منها أحد أهم الفواعل المعنية بإعادة بناء مرحلة ما بعد النزاع. وفضلا عن خبرتها الميدانية الكبيرة في مهام ذات صلة ببناء السلام كالإغاثة وبناء القدرات، فإن ذلك إنما يرجع إلى طبيعة تركيبتها غير الرسمية ومرونتها في التعامل مع قضايا عديدة،25 تمتلك عديد "المنظمات غير الحكومية" المرونة والمصداقية التي تتيح لها بناء علاقات ثقة مع السكان المحليين حتى يتم قبولها بسهولة وبالتالي كسب شرعيتها. بالإضافة إلى قدرتها على تطوير مشاريع وشراكات فعالة من شأنها أن تُسهم في عملية بناء السلام، فبرامج إعادة البناء والتهيئة من وجهة نظر "المنظمات غير الحكومية" لا يجب أن يكون هدفها استبدال أو تعويض البنية التحتية والموارد المادية فقط، وإنما يشمل كذلك تقوية البنى الاجتماعية، السياسية، والإدارية للمجتمعات المتضررة بالإضافة إلى  المساهمة في تحقيق الاستقرار النفسي للأفراد الذين عانوا من التهميش، الاستغلال، والتهجير طوال سنوات النزاع26. وبذلك تضع معظم "المنظمات غير الحكومية" العاملة في مراحل ما بعد النزاع تصورات لطبيعة عملها تقوم بالأساس على ضمان استرجاع وحماية حقوق الأفراد، وتمكينهم وبناء قدراتهم من خلال برامج وورشات عمل من شأنها التعريف بما للفرد من حقوق وما عليه من واجبات، وإعطائهم مجال أفسح من الحريات التي تُسهم في إطلاق العنان لروح الإبداع والعطاء داخل المجتمع وبالتالي الانخراط في مختلف العمليات التنموية.

1-تعزيز الأمن الانساني بين مقتضيات إقرار النظام العام ومتطلبات حماية حقوق الانسان.

إن تفعيل مضامين الأمن الإنساني في مرحلة بناء السلام يتضمن تطوير المنظمات غير الحكومية  "المنظمات غير الحكومية" لمجموعة من العلاقات والأدوار لحماية الأفراد من حالات انعدام الأمن، لذا فهي تصيغ مجموعة من الآليات التي تُمكّنها من تحقيق أهدافها. ولقد طوّر الباحث "شادويك آلقر" Chadwick Algerنموذج يضم مجموعة من الأدوات المستخدمة في عملية بناء السلام والتعامل الفعال مع تهديدات الأمن الإنساني، حيث اعتمد على تطوير التعاون العابر للقوميات، والذي يتضمن نسق واسع من الأدوار المشتركة لكل من الدولة والفواعل غير الدولاتية، من خلال اعتماد آليات التشبيك والتحالفات والشراكات، الحملات العالمية والمؤتمرات (سيما تلك الرامية إلى استمالة المانحين). ويتم استخدام هذه الآليات من أجل الحماية والتدخل في الحالات التي تتضمن انتهاكات وتهديدات مستمرة لأمن الأفراد وسلامتهم، ومن أجل ذلك طوّرت "المنظمات غير الحكومية" مجموعة من الآليات التي تعمل وفقها على تعزيز الأمن الإنساني وحماية حقوق الإنسان في مجتمعات ما بعد النزاع والتي نورد منها ما يلي:

- بناء الشبكات التعاونية:نتيجة  لتعقد القضايا المتصلة بإرساء الأمن الإنساني والمحافظة عليه، تقتضي الجهود الرامية إلى النهوض بالأمن الإنساني تعاون عدد من الشركاء الاستراتيجيين على المستويين المحلي والدولي، ولذلك تلجأ "المنظمات غير الحكومية" إلى بناء شبكات محلية أو عالمية من أجل توسيع مجال عملها، من خلال إشراك فواعل جدد وتطوير شراكات فعالة بُغية حماية الأفراد من تهديدات الأمن الإنساني،27 وتضم هذه الشبكات "المنظمات غير الحكومية" والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، التي تجمع بينها قيم وأهداف مشتركة، وبذلك تعمل على تبادل المعلومات فيما بينها وتسهيل عمل بعضها البعض، وهو ما جسدته منظمة World Visionالتي نفذّت مشاريع عديدة تعاملت مع تعزيز السلام من خلال إقامة علاقات مع المجتمعات المحلية وقادتها. فعلى سبيل المثال تواجدت هذه المنظمة في كوسوفو منذ سنة 2000 وأسست "مجلس السلام والتسامح"CPT والذي تألف من 19 متطوع يمثّلون "الأرثوذوكس"، "الكاثوليك"، و"المسلمين". وقد هدف هذا المجلس إلى بناء قيم الثقة والأمن، وإقامة روابط التواصل بين المجموعات المختلفة من أجل تعزيز التماسك الاجتماعي.28كما حرصت منظمة "البعثة الدولية الكاثوليكية للهجرة" The ICMCالتي نشطت في كوسوفو منذ 1999،29 وهدفت إلى مساعدة اللاجئين العائدين الأكثر ضعفا، على التركيز في اعادة الاندماج من خلال عملها مع المفوضية العليا لحقوق اللاجئين في رصد قضايا الأمن وحماية الأقليات.

- لجان تقصي الحقائق:تقتضي هذه الآلية تشكيل لجان تقصي حقائق وهي عبارة عن هيئات للتحقيق ذات طابع مؤقت ومرخص لها رسميا، يتم انشاؤها وفقا لمرحلة النزاع التي تتواجد بها "المنظمات غير الحكومية" وفي حالتنا هذه يتم انشاؤها في محاولة لتوضيح معالم مرحلة ما بعد النزاع أو الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فتقوم "المنظمات غير الحكومية" بتحديد مهام وصلاحيات هذه اللجان والتأكيد عليها بالتعاون مع باقي "المنظمات غير الحكومية" عبر "التشبيك"، وتقوم أيضا على وضع سجل دقيق لمعطيات البيئة المعنية بالتقصي، كما تساعدها في تقييم التكاليف الإنسانية الناتجة عن التهديد أو الإنتهاك لأمن الأفراد وحقوقهم،30 وما يميز اللجان التي تُشرف عليها "المنظمات غير الحكومية" هو تمتعها بالمصداقية في نظر الرأي العام الوطني والدولي، على غرار تلك التي تُنشئها الدول التي لا تتمتع تقاريرها بالشفافية في غالب الأحيان وتخدم مصالح الدولة التي كثيرا ما تكون متورطة في موضوع التحقيق.

- القضاء ورفع الدعاوي القضائية: تعتبر إقامة العدالة الجنائية إحدى أهم الخطوات في تفعيل الأمن الإنساني من خلال صون كرامة الإنسان والتحرر من الخوف، حيث يُشكل اللجوء إلى القضاء عنصرا أساسيا للتصدي لمختلف الانتهاكات والتهديدات التي طالت حقوق وأمن الأفراد، ذلك أن خضوع المعتدين لمحاكمات عادلة من شأنه أن يزرع ويُنمي ثقافة الأمن الإنساني وحقوق الإنسان في نفوس الضحايا والمعتدين على حد سواء من خلال ردع خروقات محتلمة في المستقبل.

- التمكين وبناء القدرات: يقتضي تجسيد الأمن الإنساني على أرض الواقع بناء القدرات وتمكين الأفراد، بالإضافة إلى الجماعات المحلية والحكومات والمنظمات المحلية من القدرة اللازمة لفهم وتطبيق أجندة الأمن الإنساني، فقد ظلت مسائل وضع السياسة الأمنية حكرا على الأخصائيين الأمنيين الذي عملوا دائما على تحييد مشاركة المدنيين في هذه الأنشطة. وبذلك تحرص "المنظمات غير الحكومية" على صياغة برامج تدريبية تفاعلية على المستوى القاعدي، مع تنظيم ورشات تدريبية وتنفيذ برامج لفائدة قوات الأمن والمسؤولين من أجل تغيير الذهنيات التي عززتها سنوات الحرب، وفتح آفاق التمكين والمشاركة لمختلف مكونات المجتمع، ففي أفغانستان مثلا قادت شبكة المرأة الأفغانية والمكونة من 72 منظمة غير حكومية الجهود الخاصة بإعطاء المرأة صوت في عملية صنع واتخاذ القرارات، بالإضافة إلى مساعدة جهود الأعضاء في دعم المرأة الأفغانية وتعزيز حقوق المرأة والطفل، مع بناء القدرات بين المنظمات المحلية من خلال التدريب وحشد النساء من أجل التصويت.31 ونظرا لأهمية هذه الآلية فسيتم التفصيل فيها في عنصر آخر بالتركيز على أكثر الفئات الهشة أهمية لخلق ثقافة السلم وهي المرأة.

2- تمكين المرأة وبناء قدرات الأفراد:

يُشكّل التمكين وبناء القدرات أحد الأهداف التي تسعى المنظمات غير الحكومية إلى تحقيقها جراء انخراطها في عمليات بناء السلام، ويأتي ذلك في إطار استراتيجيتها التي تركز على الفرد بوصفه المستهدف والفاعل في هذه العمليات من أجل ارساء دولة مؤسسات تحكمها إطارات كفؤة وفاعلة، وتنشط الكثير من المنظمات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة والعمل من أجل تمكينها في المجال السياسي، ومختلف المجالات الأخرى لإقرار المساواة الجندرية داخل المجتمع، ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية مثلا أسفر العمل الدؤوب للعديد من "المنظمات غير الحكومية" المنادية بالتمكين السياسي للمرأة عن اقرار دستور 20 جانفي 2002 والذي منع أي تمييز على أساس الجنس وأقرّ المساواة بين المرأة والرجل عبر تطوير التمثيل السياسي للمرأة وتواجدها في المصالح الإدارية.32 كما قامت احدى اللاجئات في كمبوديا بتأسيس منظمة "نساء من أجل الازدهار" WFPوالتي هدفت من خلالها إلى تعزيز المشاركة السياسية للمرأة.33

أما على مستوى الدعم المعنوي والنفسي للمرأة، فقد مثل هذا المجال موضوع تدخل منظمات أخرى، ففي تيمور الشرقية قدمت منظمة Fokupersخدمات المساعدة القانونية للضحايا من النساء ونشر الوعي بينهن بخصوص العنف الأسري والحقوق القانونية للمرأة، كما تم تعميم منشورات تضم معلومات المنظمة حول مقدمي الخدمات، والمؤسسات الدينية، والجهات الحكومية بغية الإسترشاد بها عند الحاجة.34 ولا يختلف الأمر في طاجيكستان أين قامت اللجنة الوطنية لتنمية الشعوب الأصيلة وهي منظمة محلية غير حكومية بإدارة مراكز الدفاع القانونية عن المرأة، بالإضافة إلى تقديم الاستشارات القانونية من خلال شبكة مراكز متوفرة لإدارة الأزمات، توفير الملاجئ الآمنة، وخدمات الرعاية الصحية.         

من جهة أخرى، وإلى جانب التمكين بتفرعاته المتعددة لاقى بناء القدرات حيزا لا بأس به من اهتمام المنظمات غير الحكومية فإدراك الحاجة إلى بناء القدرات أدّى إلى ظهور عدد كبير من Fokupersذات برامج مكرسة ومخصصة لبناء المهارات والتدريب والتشبيك، وتعتبر "المنظمة النسائية الدولية للتبادل الثقافي" WICCEفي أوغندا من الرائدات في هذا المجال،35 إذ أنشأت 70 مركزا رئيسيا للموارد من أجل جمع وتوزيع المعلومات المتعلقة بحقوق وتنمية المرأة، كما لعبت WICCEدورا حيويا في انشاء شبكة اقليمية في افريقيا وجلب صوت المرأة الافريقية للساحة العالمية. وقد شهدت سيراليون على حد سواء نشاطا في هذا المجال والذي جسدته مؤسسة الصحة المسيحية بسيراليون CHASLمن خلال تدريبها 150 متطوع كمشجع على السلام، والذين كان البعض منهم معاونين سابقين وضحايا حروب مما سهل دورهم في التوحد مع من يخدمونهم.36

بالإضافة إلى ذلك نفّذ "الإتحاد الإنجيلي" بـ"سيراليون" عام 1999 برنامج لإدارة الصراع وبناء السلام بهدف تشجيع السلام بين المقاتلين والمدنيين في المجتمعات المحلية، وقد اختار الإتحاد ناشري السلام من بين قادة المجتمع المحلي كالزعماء الدينيين، قيادات نسائية، وقيادات شبابية الذين تلقوا تدريبا على بناء السلام وحل النزاع، وفي نهاية ورشة العمل قاموا بوضع خطة عمل لنشر السلام في مجتمعاتهم المحلية من خلال شن حملات تنادي بالحاجة إلى السلام، واقامة ورش عمل تقدم التدريب لأصحاب المصالح في المجتمع، كما تقدم الأغاني والأعمال الدرامية وخدمات المشورة للمواطنين والقادة والمحاربين السابقين في المجتمع.37

3-بناء صرح مؤسساتي سياسي وأمني متين:

تنشط المنظمات غير الحكومية في مجال إعادة بناء المؤسسات السياسية والأمنية بغية إعادة إقرار الأمن والسلم في مجتمعات ما بعد النزاع، ولعل الحديث عن بناء صرح مؤسساتي سياسي وأمني متين يستدعي التوقف عند مجمل العمليات المنفذة في هذا المجال وسيتم ذلك عبر مستويين:

أ- مستوى البناء المؤسساتي السياسي:

يعتبر بناء المؤسسات السياسية من العمليات المهمة والتي تُولى لها الأولوية في مرحلة بناء السلام، حيث أن نهاية النزاع تسفر عن انهيار مجمل مؤسسات الدولة، ولإعادة بنائها وتفعيلها يتطلب القيام بخطوة مهمة تتجلى في تنظيم انتخابات حرة ونزيهة تتناسب ومعطيات بيئة ما بعد النزاع وقيم العدالة والحرية، لكن إجراء انتخابات بمعايير دولية يتطلب توفر أرضية صلبة، تمثل عمليات التحسيس والمراقبة قوامها، وتعتبرعملية التحسيس احدى مجالات تدخل "المنظمات غير الحكومية" في العملية الإنتخابية أين تقدّم مختلف الإرشادات المدنية المتعلقة بأحكام وقوانين الإنتخابات في شكل برامج تعليمية وتوعوية.

ولعل عرض بعض النماذج لنشاط المنظمات غير الحكومية في هذا المجال من شأنه توضيح الصورة لعمل هذه الأخيرة، فمن النماذج الرائدة نجد "الشبكة البينينية من أجل انتخابات سلمية وشفافة" REPATوهي عبارة عن مجموعة من المنظمات غير الحكومية والجمعيات الناشطة في مجال التربية المدنية،38 التي وإثر اجراء الإنتخابات النيابية في مارس 1999، قامت REPATبمجموعة من العمليات التحسيسية والتي نذكر منها:

- عملية Zémidjan: تجسدت هذه العملية في صنع 1500 مئزر وُزّعت على سائقي سيارات الدراجة النارية المسماة Zémidjan، وفي ظهر كل مئزر وضعت شعارات تحسيسية مقروءة من قبل الزبائن والمارة مثل: "أُترك جارك يُصوت للمترشح الذي يختاره"، "ذاهبون للتصويت بكثافة في 28 مارس".39

- تكوين المتدربين: في 8-9 مارس نفّذ المركز الافريقي أوبوتا أحد أعضاء REPATبرنامجه التكويني للمدربين، وقد تمّ تكوين 200 شخص من خلال اقامة:40 برامج تلفزيونية تحسيسية، المؤتمرات الصحفية، وحصص تحسيسية على راديو باراكو مع اقامة أسابيع حول المواطنة.

ما تجدر الإشارة إليه أن العمليات التحسيسية حول أهمية الانتخابات لا تتوقف فقط عند التشجيع على الانتخاب أو التعريف بالعملية الانتخابية وإنما تتجاوز ذلك بالاتجاه نحو تخفيف العنف قبل وبعد الانتخابات وهو ما تعمل من أجله "المؤسسة الدولية للأنظمة الانتخابية" IFESالتي خلقت مجموعة من البرامج الجديدة والمتخصصة في بعض الدول من أجل وضع استراتيجيات لتخفيف العنف قبل وأثناء وبعد اجراء الانتخابات. كما تملك منظمات غير حكومية أخرى مثل "المعهد الانتخابي الجنوب الافريقي"EISAبرامج ذات صلة مباشرة بالوقاية من النزاع وتحقيق المساعدة الانتخابية.41

من جهة أخرىتُعد المراقبة الخطوة الثانية المكمّلة لعملية التحسيس، وتتمثل في قيام المنظمات غير الحكومية بتوفير مراقبين لسير العملية الانتخابية، والحرص على شفافية ونزاهة النتائج المعلن عنها. ومن النماذج الحية في مراقبة العملية الانتخابية نذكر التجربة النيجيرية إبان انتخابات المجلس الوطني والانتخابات الرئاسية التي عُقدت في 12 و19 أفريل 2003 على الترتيب. وما لوحظ في هذه الانتخابات هو المشاركة الكبيرة للعديد من NGOsالتي قامت بتوفير 46 ألف ملاحظ لتغطية 120 ألف مكتب اقتراع في البلاد، وهو ما يُمثل 31 %من مكاتب التصويت.42 إلا أنه ما يُعاب على هذه المبادرة هو أن عدد المكاتب كان أكثر من عدد الملاحظين مما استدعى تنقل بعض الملاحظين بين المكاتب خاصة في المناطق الريفية الصغيرة بين الحين والآخر، وهو ما يطرح تساؤل حول مدى امكانية حدوث تجاوزات عند تنقل المراقبين من مكتب إلى مكتب آخر.

وبالإضافة إلى التجربة النيجيرية نتوقف عند التجربة السينغالية فأثناء انتخابات سنة 2000 قامت منظمة "اللقاء الإفريقي للدفاع عن حقوق الإنسان"RADDHOبتأدية دور المراقبة في العملية الانتخابية من خلال تكوين 1000 ملاحظ، كما وفرت يوم الانتخابات 815 ملاحظ و80 مشرف في مكاتب الاقتراع في كل أرجاء البلاد.43 ومن التجارب الناجحة كذلك تلك التي قامت بها منظمة البحث عن أرضية مشتركة في سيراليون "البحث عن أرضية مشتركة في سييراليون" SFCGالتي دعمت اثنتين من مبادرات المجتمع المدني من أجل خلق الشفافية خلال الانتخابات وهما: "شبكة الراديو المستقلة" IRNو"مرصد الانتخابات الوطنية" NEW. حيث قامت SFCGبدعم IRNالتي أُنشئت خصّيصا لدعم الانتخابات سنة 2002 وأصبحت فيما بعد اذاعة وطنية تضم 21 محطة محلية خاصة.44 وفي الانتخابات الرئاسية لسنة 2007 قامت كل من SFCGوIRNبإرسال 420 صحفي إلى المناطق ذات التوتر الشديد بين الأحزاب السياسية في المناطق النائية، وقد كانت مهمة هؤلاء الصحفيين هي رصد وتغطية ما يرونه طوال اليوم من خلال التقارير التي كانت تُقدّم على مدار الساعة، وبذلك فقد أعطوا فكرة عن كيفية سير الانتخابات في هذه المناطق المتوترة من البلاد عبر تقديم تقارير لشهادات حية مما يزيد الثقة ويُعزز الأمان في العملية الانتخابية.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5137
نقاط : 100011845
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: رد: عقبات تفعيل المنظمة غير الحكومية في حوكمة بناء السلام   الأربعاء سبتمبر 16, 2015 2:02 am

ب- مستوى البناء الأمني:

للمستوى الأمني أهمية بالغة في تحقيق الاستقرار والأمان داخل المجتمع فدونه أو نسبية تحقيقه تحول دون انخراط "المنظمات غير الحكومية" في عمليات بناء السلام في باقي المجالات نتيجة لصعوبة تحقيق ذلك في ظل تردي الأوضاع الأمنية. وتتباين المساهمات التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية في هذا المجال من عمليات المصالحة الوطنية بين مختلف أفراد المجتمع إلى تعزيز المرحلة الانتقالية بالاتجاه نحو دولة ديمقراطية قوامها الديمقراطية وحقوق الإنسان. وتعتبر عمليات المصالحة الوطنية من أولى العمليات التي تُطبّق في بيئة ما بعد النزاع لاسيما إذا تعلق الأمر بالنزاعات ذات الطابع الإثني، وبذلك تعتبر عملية التوفيق بين الأطراف التي كانت متنازعة وتعزيز قيم التسامح والمحبة ضرورة ملحة من أجل ارساء الأمن، والقضاء على الأحقاد والضغينة التي قد يُكنّها بعض الأفراد بالرغم من انتهاء النزاع. يعتبر ذلك من صميم مهام "منظمة الإغاثة للكنيسة النرويجية" NCA، والتي ساهمت مساعي إنهاء العنف وتحقيق المصالحة الوطنية بين جميع الأفراد في دولة مالي، التي تواجدت بها منذ سنة 1984. 45

كما تجدر الإشارة إلى مساهمة منظمات أخرى في تحقيق المصالحة وبعث قيم التسامح بين الأطراف المختلفة في الدين، أو العرق، أو اللغة وهو ما جسدته منظمة World Visionالتي نفذّت مشاريع عديدة تعاملت مع تعزيز السلام من خلال اقامة علاقات مع المجتمعات المحلية وقادتها. فعلى سبيل المثال تواجدت هذه المنظمة في كوسوفو منذ سنة 2000 وأسست "مجلس السلام والتسامح"CPT  والذي تألف من 19 متطوع يمثّلون الأرثوذوكس، الكاثوليك، والمسلمين. وقد هدف هذا المجلس إلى بناء قيم الثقة والأمن، واقامة روابط التواصل بين المجموعات المختلفة من أجل تعزيز التماسك الاجتماعي.46

وتعتبر غانا من بين الدول التي لعبت فيها "المنظمات غير الحكومية" دورا بارزا في عمليات المصالحة الوطنية، حيث أنه وبمجرد عزم الحكومة المنتخبة ديمقراطيا سنة 2001 تعزيز المصالحة الوطنية، وعقب هذا الإعلان بدأت منظمات المجتمع المدني في التشاور داخليا لتحديد ملامح الدور الذي يمكن أن تقوم به "المنظمات غير الحكومية" في غانا، وقد أدرك مركز غانا للتنمية الديمقراطية بضرورة تحويل الأجندة السياسية التي أعلنت عنها الحكومة إلى أجندة وطنية يشترك فيها الشعب ويكون له صوت فيها، كما لم يقتنع المركز بأن الحكومة لديها الدراية الكافية بالمزايا والعيوب المتعلقة بالعديد من آليات العدالة الانتقالية، ورأى أنها يمكن أن تستفيد من المعلومات والتوعية التي تستطيع "المنظمات غير الحكومية" تقديمها. وقد أجرى المركز مشاورات أولية على المستوى الشعبي ومع المجتمع المدني التي تمخضت عن تشكيل ائتلاف المجتمع المدني للمصالحة الوطنية الذي ضمّ ما يقرب 25 منظمة غير حكومية وهيئة دستورية، وتولى مهام تنسيق شؤون الإئتلاف،52 وبذلك لعب هذا الإئتلاف دورا حيويا في وضع الإطار النظري للعدالة الانتقالية من خلال فسح المجال للمشاورات الشعبية، والمجال الإعلامي، كما أجرى الإئتلاف بحوثا تجريبية ومقارنة، وعقد مؤتمرا دوليا على مدى يومين حول العدالة الانتقالية، الذي تمخض عنه صياغة إعلان من 12 نقطة يُبين الكيفية التي ينبغي أن تتعامل بها الحكومة مع قضية المصالحة الوطنية.

من جهة أخرى، يُعتبر تعزيز الديمقراطية من أهم العمليات التي تُعنى "المنظمات غير الحكومية" بتحقيقها في هذه المرحلة، وتعتبر مساهمة مركز الموارد في برايزرن في كوسوفو خير مثال على ذلك The Resource Center In Prizren، حيث نفّذ هذا المركز الذي هو عبارة عن منظمة غير حكومية محلية في كوسوفو سنة 2002 وبالتعاون مع ثمانية منظمات أخرى مشروع أطلق عليه "رصد عمل المنتخبين الرسميين لضمان الشفافية والمساءلة على الناخبين"، وقد تجلى الهدف الرئيسي في تعزيز الديمقراطية والذي تم تنفيذه من خلال عدد من الأنشطة من بينها مراقبة اجتماعات الجمعية البلدية وكذلك عمل الإدارات والمديريات البلدية، بالإضافة إلى توفير المعلومات للمسؤولين المنتخبين حول القضايا ذات الإهتمام بالنسبة للمجتمع المحلي، وتنظيم مناقشات عامة مع المسؤولين المنتخبين والتحقق من أن الاجتماعات التي تم الإعلان عنها قد حضرها عدد كاف من المواطنين.47 ومن الإسهامات في هذا المجال نذكر أيضا مبادرة "المؤسسة الأهلية لأيرلندا الشمالية"، التي ساهمت في مرحلة بناء السلام في إيرلندا الشمالية، أين نشطت في المجتمعات المحلية وفي الأحياء الإيرلندية وعملت على تحفيز الحوار بين جميع المقيمين سواء كانوا لاجئين أو سكان أصليين، كما دعت مختلف الجماعات للتعبير عن فهمهم حول النتائج التي يتوقعونها من عملية بناء السلام.48

III- معوقات تفعيل عمل المنظمات غير الحكومية في بناء السلام:

بالرغم من الوظائف التي تقدمها المنظمات غير الحكومية في بيئة بناء السلام والتي تستهدف مختلف شرائح المجتمع وتمس شتى القطاعات، إلا أن الدور التي تؤديه يبقى نسبيا إلى حد ما وذلك إنما راجع لوجود تحديات تتعرض لها "المنظمات غير الحكومية" والتي يكون مصدرها داخليا أي بنية المنظمة والعلاقات البينية بين مختلف مكوناتها ووظائفها، كما قد يكون مصدر هذه التحديات والمعوقات خارجيا وهو ما تفرزه البيئة الخارجية أي بيئة عمل هذه المنظمات. وسنحاول في هذا الجزء من المقال تسليط الضوء على أهم المعوقات التي تحد من عمل "المنظمات غير الحكومية" في بناء السلام عبر ثلاثة محاور أساسية: التمويل والموارد البشرية، الخصوصية المجتمعية والشرعية المنظماتية.

1- التمويل والموارد البشرية:

          يُشكل كل من التمويل والموارد البشرية عنصرين حيويين في عمل "المنظمات غير الحكومية"، إذ أن حدوث خلل في أي منهما من شأنه التأثير على فعالية المنظمة وقد يؤدي في الكثير من الأحيان إلى توقف مشاريع بكاملها، ضف إلى ذلك امكانية توقف نشاط المنظمة لاسيما إذا ارتبط الأمر بشح أو انعدام التمويل لها.

ويُمثل المال عنصرا أساسيا دونه لا تستطيع المنظمة تقديم مختلف خدماتها بسبب استخدامه في تمويل مجمل المشاريع الخدماتية، بالإضافة إلى استخدامه لأغراض عديدة كإقامة المنشآت وتجهيزها ودفع أجور العاملين، وهو ما أكدته الباحثة Sarah Michaelمن خلال اقتراحها لإجراء يمكنه التخفيف من التأثيرات السلبية للتحديات المالية التي تواجهها "المنظمات غير الحكومية" التي تنشط في مجال الأمن الإنساني، من خلال زيادة عدد عقود التمويل وتمديد فترتها بدلا من سنة واحدة، حيث أن وجود عدد محدد من عقود التمويل وقصرها يُؤدي بالمنظمة إلى تقليص مشاريعها والتخلي عن مشاريع أخرى،49 كما ركز الباحث Annour Ebrahimعلى دور التفاعلات التنظيمية لعلاقات الاعتماد المتبادل بين  NGOsوالممولين، حيث ناقش أنه وإلى جانب مركزية التفاعلات المالية التي تشمل الموارد المالية أو ما يُعرف برأس المال الاقتصادي، توجد التفاعلات الرمزية أو رأس المال الرمزي الذي يتضمن السمعة والمكانة.50

وتجد العديد من المنظمات نفسها في حلقة صراع بين مصادر التمويل الخارجية التي تُشكّل في الغالب المصدر الرئيسي لتمويلها وبين السياسات والأهداف التي تُريد هذه الجهات تمريرها عبر غطاءات ممثلة في العمل الإنساني الذي ترعاه "المنظمات غير الحكومية" ما يجعلها المستهدف من السخط الشعبي الرافض لتلك السياسات والمشاريع. ولعل الوضع في البوسنة والهرسك سابقا يشكل صورة واضحة لهذا الطرح، وهو ما ناقشته الباحثة "مارتينا فيشر" حينما أكدت أن التمويل غير المنسق للمنظمات غير الحكومية قد أدى إلى ظاهرة تعرف في المنطقة بـ"رهاب المشاريع" Projectomania، فبالرغم من أن "المنظمات غير الحكومية" أسست سوق عمل جديد إلا أنها سوق مصطنعة تعتمد اعتمادا كليا على التمويل الدولي الخارجي والحضور الدولي المستمر، بالإضافة إلى أن معظم المنظمات كانت أسيرة أنظمة معقدة فيما يتعلق بكتابة التقارير والتقييمات والطلبات، الأمر الذي أعاق ممارستها لأنشطتها. كما صممت بعض المنظمات أهدافها ومهامها وفق مصالح المانحين وليس وفقا للإحتياجات الإنسانية، وهو ما أدى إلى فقدان الكثير من المنظمات لصلتها بالمجتمع.51

ضف إلى ذلك أن "المنظمات غير الحكومية" ركّزت جهودها التمويلية في المقام الأول على المناطق المدنية والمدن الصغيرة وتجاهلت المناطق الريفية. وبذلك فقد تزامن ذلك مع تجاهل "المنظمات غير الحكومية" لفواعل المجتمع المدني المحلية الرئيسية التي تأثرت بالسياسات العرقية، وبقيت المؤسسات الحكومية والأحزاب السياسية ومختلف فواعل المجتمع المدني كالنقابات العمالية والمنظمات المتخصصة والدينية واتحادات المحاربين القدامى منقسمة ومنظمة على امتداد خطوط السياسة العرقية، وهو ما وضحته بشكل كبير الحملات الانتخابية لسنة 2006 حينما قامت مجموعة من "المنظمات غير الحكومية" الممولة من الحكومة كمنظمات المحاربين القدامى بدعم الحملات الانفصالية أو الحملات السياسية القومية.52

ومن جهة أخرى، وبالإضافة إلى التمويل، يطرح موضوع الموارد البشرية تحديا كبيرا للمنظمات غير الحكومية، إذ تعاني المنظمات في بعض الأحيان من نقص المورد البشري بسبب تفضيل الكثير من الناس فرص عمل أكثر استقرارا مقارنة مع الوظائف الشاغرة في "المنظمات غير الحكومية". كما تُشكل سلامة الموظفين تحديا آخر للمنظمات غير الحكومية حيث توازن NGOsدائما بين مقتضيات المشاريع وسلامة الموظفين، ووفقا لبعض الإحصائيات فإن عدد حوادث العنف ضد العاملين في المجال الإنساني ما بين سنة 2000-2009 ارتفع إلى 103 %، وأن عدد الضحايا ارتفع إلى 117 % بين عام 1997-2009. وفي أفغانستان تم قتل خمسة أعضاء من منظمة أطباء بلا حدود، حيث على أنه وعلى أثر هذه الحادثة قررت المنظمة الإنسحاب من أفغانستان سنة 2004. كما أودت أعمال العنف في نيجيريا التي أعقبت انتخابات 2011 بحياة أكثر من 100 شخص عامل بالمنظمات غير الحكومية53.

2- الخصوصية المجتمعية:

تشير الخصوصية المجتمعية إلى الموروثات الاجتماعية والمميزات الثقافية التي يتميز بها كل مجتمع، وتمثل هذه المكونات مجتمعة هوية كل مجتمع. كما تلعب العادات والتقاليد والأعراف دورا في تثبيط عمل العديد من "المنظمات غير الحكومية" التي وفي إطار عملها في بناء السلام، تقوم بنشر أفكار وجلب عادات غريبة وبعيدة كل البعد عن عادات وتقاليد شعوب الدول المتدخل فيها تحت شعار الحرية والمساواة، وهو ما يتنافى والقناعات المجتمعية المحلية. ولذلك تلقى هذه المنظمات في غالب الأحيان الرفض من قبل المجتمع بعدم التعاون معها أو التطوع فيها، كما قد تحاول هذه المنظمات تكييف نشاطاتها بما يتناسب والخصوصيات المجتمعية إلا أن ذلك لا يغير الكثير في الواقع نتيجة ترسّخ أفكار ترفض الطرف الآخر الممثل في المنظمات غير الحكومية.

وبالإضافة إلى العادات والتقاليد يلعب الدين دورا مهما في عمليات بناء السلام إذ يجمع بين دور مزدوج بحيث يتجلى الدور الأول في اسهامه بدرجة كبيرة في تشكيل عقبة حقيقية تمثل تحديا كبيرا لعمل "المنظمات غير الحكومية" خاصة في المجتمعات التي كان فيها الدين السبب الرئيسي للنزاع، أما الدور الثاني فيتمثل في الصبغة الدينية للمنظمة والتي  تشكّل جدارا منيعا بينها وبين المجتمعات المستهدفة بعمليات بناء السلام.حيث قد تشجع"المنظمات غير الحكومية" الإنقسام الطائفي والعرقي داخل المجتمعات من خلال تدعيمها لشريحة دون أخرى بمجرد مشاركة هذه الأخيرة لديانة المنظمة وهو ما يؤدي إلى بروز هذه الشريحة على حساب الجماعات الأخرى من خلال استهدافها بالمساعدات وتخصيص الحصة الأكبر لها من الدعم وعمليات إعادة البناء، وهو ماجسدته منظمة التنظيم البرتقالي المحلية في أيرلندا التي وفي إطار تدخلها في عمليات بناء السلام انحازت إلى الجماعات البروتستانتية دون غيرها نتيجة خلفيتها المذهبية البروتستانتية.54 وتُمثل النيبال كذلك احدى الأمثلة الحية أين اتهمت عديد  "المنظمات غير الحكومية" بدور تبشيري في اطار عملها في بناء السلام بعد انتهاء الحرب الأهلية التي اجتاحت البلاد من 1996-2006، حيث تجلى العنف بين الهندوس والمسيحيين في العديد من الهجمات على الكنائس، وأشارت العديد من الجهات أن "المنظمات غير الحكومية" قامت بتمويل الفئات المهمشة والضعيفة في المجتمع مما أعطاها قوة ونفوذ غير متناسبين وأدى في الكثير من الحالات إلى العنف55.

3- الشرعية المنظماتية:

يثير الحديث عن مدى شرعية المنظمات غير الحكومية في عمليات بناء السلام الكثير من الجدل، لاسيما ذاك الذي يركز على مدى قبول المنظمة من قبل الشعب داخل المجتمع ومدى نزاهة واستقامة أعمالها، ويشار إلى مفهوم الشرعية على أنه أمر حيوي للمنظمات غير الحكومية لأنها تساعد في فهم الطرق المتعددة الأوجه التي من خلالها يُبرّر الجمهور سلطة NGOs، والتي يستند قبولها في المجتمع على التوقعات المجتمعية.56 وتشير الأطر المستخدمة لتقييم شرعية المنظمات غير الحكومية إلى كونها مسيّسة للغاية وقابلة للتغيير في الكثير من الأحيان، واستنادا إلى النظرية التنظيمية وبالأساس عمل Suchmanنجد أن NGOsتعتمد على أربعة أنواع من الشرعية والتي نذكرها فيما يلي57:

أ‌.       الشرعية المعيارية: وتقوم على المعايير والقواعد المقبولة والمرغوب فيها والقيم.

ب‌.   الشرعية المعرفية: قائمة على الأهداف والنشاطات التي تتناسب مع الظروف الاجتماعية الواسعة، منها ما هو مقبول أو مناسب أو مرغوب فيه.

جـ. الشرعية البراغماتية: وتُشير إلى مطابقة الخدمات للمطالب أو الشراكة أو تلقي التمويل الخاص.

د‌.      الشرعية التنظيمية: وتعني الإلتزام بالقوانين واللوائح التنظيمية.

وبذلك ينظر لشرعية المنظمات غير الحكومية على النحو الذي تحدده قدرة "المنظمات غير الحكومية" للتوافق مع الخطابات السائدة على الساحتين العالمية والمحلية، وقدرتها على التفاوض حول التناقضات التي تنشأ بين هذين العالمين. وفي مجال بناء السلام توجد العديد من الخطابات المناهضة للمنظمات غير الحكومية التي عادة ما تستند إلى اعتبار "المنظمات غير الحكومية" وسيلة في يد الحكومات الأجنبية من أجل التأثير على السياسات الوطنية الداخلية وتشكيل ملامح دولة ما بعد النزاع بما يتماشى ومصالحها الخاصة. وتتوقف كذلك شرعية "المنظمات غير الحكومية" على مدى متانة القاعدة الجماهيرية المساندة لها وايمانها بأهدافها، والمشاركة التطوعية في برامجها التي تعد ضمانا لديمومتها واستمراريتها.

من جهة أخرى، فإن "المنظمات غير الحكومية" غالبا ما تواجه المعارضة من التيارات السياسية التي تسعى للحفاظ على الوضع الراهن، حيث يمكن لهذه المعارضة تقويض شرعية "المنظمات غير الحكومية" المحلية والحد من تأثير عملها من خلال اتهامها بدعم بعض التيارات السياسية وسعيها نحو تحقيق مصالح سياسية. كما تجد بعض الجهات المانحة من السهل تنفيذ استراتيجياتها من خلال العمل بشكل وثيق مع النخب والمنظمات غير الحكومية المحترفة التي توجد مقراتها في المدن الكبرى، إلا أن هذا التعاون المتقارب يؤدي إلى التقليل من شرعية "المنظمات غير الحكومية" عبر زيادة الانتقادات الشديدة لها بكونها بعيدة كل البعد عن الواقع المحلي، ويتم استخدامها من قبل الجهات المانحة لتقويض سيادة الدولة. في سيريلانكا مثلا، وفي الفترة الممتدة من 2006-2008، والتي تميزت بتقلبات سياسية كثيرة، أدى تفاعل "المنظمات غير الحكومية" مع عملية السلام المدعومة دوليا إلى تضرر سمعتها وساهم في خلق ردود فعل أوسع نطاقا ضد التدخل الدولي. وبذلك فقد عانت سيريلانكا من أزمة مصداقية خلال فترة التحول السياسي من الحرب إلى السلم. ولم تكن النيبال بعيدة عنها إذ عانت الأخرى من نفس الأزمة حينما قامت الأحزاب السياسية بمراقبة وتنظيم قطاع المنظمات غير الحكومية واستعمالها كقنوات لتسهيل الوصول إلى الموارد58.

وإلى جانب الطرح السابق المتعلق بعدم مصداقية "المنظمات غير الحكومية" وسعيها نحو تحقيق مصالح سياسية. هناك طرح آخر، وهو الذي يدافع عن هذه المنظمات ويحاجج بأن تدني أو فقدان "المنظمات غير الحكومية" لشرعيتها ما هو سوى انعكاس لتحكم القوى السياسية والعسكرية بها، وتقوم حجة هذا الإتجاه على أن عملية بناء السلام يتدخل فيها العديد من الفواعل كالدول، المنظمات الإقليمية والدولية والتي تعمل بالتعاون مع الحكومة المحلية و"المنظمات غير الحكومية" المحلية والدولية، كما ينخرط كل من الجيش والحكومة في بناء السلام واعادة البناء من أجل تحقيق أهداف سياسية أو عسكرية. ويستوجب هذا التدخل التعاون مع "المنظمات غير الحكومية" ما يؤدي في الكثير من الأحيان إلى فرض ممارسات عليها، حيث ينظر الجيش إلى "المنظمات غير الحكومية" على أنها شريك منفذ Implementing Partnerوهو ما يطرح اشكال لها بصفتها منظمات مستقلة، محايدة، وغير متحيزة تعمل وفق مبادئها الخاصة59. كما أنه حتى وإن كان تعاون هذه المنظمات مع الجهات الحكومية أو الجيش قائم على أساس احترام حيادها، فإن شرعية "المنظمات غير الحكومية" تتدهور عند أفراد المجتمع الذين يحكمون مسبقا بتواطئها مع الجيش أو أي جهة رسمية كانت. في أفغانستان مثلا، كثيرا ما تمّ النظر إلى "المنظمات غير الحكومية" على أنها متحالفة مع الجيش وكثيرا ما هاجمت "حركة طالبان" هذه المنظمات باعتبارها أهدافا مشروعة. وبالمثل وضعت في الصومال قيودا عديدة على نشاطات "المنظمات غير الحكومية"، ويرجع ذلك لفقدان الثقة بها وببعثات UNO، وبعثة أتلانتا الأوروبية60.

إلا أنه وبالرغم مما تم عرضه فهناك منظمات غير حكومية ترفض الشراكة –نسبيا- مع الجيش أو الأحزاب السياسية وتحاول الحفاظ على استقلاليتها حيادها، ويتعلق الأمر بمنظمات عريقة كـ"منظمة أطباء بلا حدود"، "منظمة الصليب الأحمر"، و"أوكسفام". لكن النقطة التي يجب التنويه إليها في هذا الخصوص هي أن وجود منظمات تعمل وفقا لمبادئ متقبلةٍ عالميًا لا يعني استبعاد احتمالية تواطئ منظمات غير حكومية أخرى في تنفيذ أجندات سياسية أو استراتيجية معينة.

خاتمة:

تساهم "المنظمات غير الحكومية"، في إطار ما اصطلح على تسميته بالمسار الثاني للدبلوماسية، بشكل فعال في مجال بناء السلام سيما وأنها تنشط في مجالات مختلفة وعلى مستويات متعددة، أين تقدم خدمات متنوعة تتلاءم والإحتياجات المجتمعية لفترة ما بعد الحرب. ومما لا شك فيه، أنه وبالرغم من تعقد عمليات بناء السلام وتشابكها تحرص "المنظمات غير الحكومية" على أن تكون سباقة ومميزة في تدخلها من خلال اهتمامها بالفرد كوحدة تحليل ومركز اهتمام رئيسي لها، وذلك يتأتى من قناعتها بأن الفرد هو الفاعل والمستهدف من عمليات بناء السلام. إلا أنه وبالرغم من عملها هذا تعترض "المنظمات غير الحكومية" مجموعة من المعوقات التي تحد من نشاطها وتعرقله والتي ترتبط أساسا بحجم ومدى تدفق التمويل لها ومرجعيته، بالإضافة إلى مدى قبول مجتمعات ما بعد النزاع لها والتي تترجم في نسبية شرعيتها واصطدامها بخصوصيات مجتمعية محلية التي تتعارض في الكثير من الأحيان مع الوصفات التي تقدمها "المنظمات غير الحكومية" وتتبناها. ولذلك تبدو الحاجة ماسة إلى إعادة النظر في الرؤية التي تحكم الاستراتيجية التدخلية لهذه المنظمات، ومراجعة آليات العمل، بما يساهم في تذليل العقبات التي تم تسجيلها، بغية تحسين أداء المسار الثاني للدبلوماسية بشكل عام.

الهوامش:

1- Markus Ledrerand Philip Muller, “Challenging Global Governance: Critical Perspective”, Workshop at Harvard Law School, Harvard, CPOGC, 2003, p 12.

2- أحمد طيبي، الحاكمية الرشيدة (مصر: دار المعرفة الجامعية، 2004) ص ص. 12-13.

3- Boutros Boutros –Ghali, “An Agenda for Peace, Preventive Diplomacy, Peace Making and Peace Keeping Document”, A/47/277-S/24 1111, New York, Department of Public Information, United Nations, 1992, accessed: 22/11/2013.

                                                                                  

4- David Roberts, Liberal Peacebuilding and Global Governance Beyond The Metropolis (New York: Rootledge, 2011), p. 7.

5- رياض الداودي، تاريخ العلاقات الدولية: مفاوضات السلام، معاهدة فرساي، ط. 5. (دمشق: منشورات جامعة دمشق، 1998)، ص. 39.

6- Melanie Green Berg and others, “Peace Building 2.0: Mapping the Boundaries of an Expanding Field”, USA Institute of Peace, 2012, p. 9.

7- Boutros Boutros-Ghali, Op.cit.

8- Michael W. Doyle- Hunjoon- Madelene O’Donnell and Lara Sitea, “Peacebuilding: What is in a Name?”, Global Governance, vol. 13, NO.1, 2007, p. 44.

9-Melanie Green Berg and others, Op.cit., p. 13.

10- زياد الصمادي، "حل النزاعات، نسخة منقحة للمنظور الأردني"، برنامج دراسات السلام الدولي، جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة 2009-2010، ص.6.

11- جون بيليس وستيف سميث، عولمة السياسة العالمية، ترجمة مركز الخليج للأبحاث، ط. 1 (الإمارات العربية المتحدة: مركز الخليج للأبحاث، 2004)، ص. 428.

12- ايمانويل كانت، مشروع السلام الدائم، ترجمة عثمان أمين (القاهرة: مكتبة الأنجلومصرية، 1967) ص ص. 37-45.

13- جون بيليس وستيف سميث، المرجع السابق، ص. 429.

14- Oliver P. Richmond,“NGO’s and Emerging of Peace Making: Post Westphalian Approach”, Annual Convention of International Study Association, Los Angeles, see: Columbia International Affairs Online.

15- Johan Galtung, “Violence, Peace and Peace Research”, Journal Of Peace Research, Vol. 6, No. 3, 1996, p. 183.

16- زياد الصمادي، المرجع السابق، ص. 13.

17- John Burton,  Conflict: Resolution and Prevention(London: Macmillan Press Ltd, 1990), p. 35.

18- ترجم هذا الكتاب إلى اللغة العربية سنة 2007 من طرف مجاب إمام.

19- Francis Fukuyama, State Building Governance and World Order in the Twenty-First Century(New York: Cornell University Press,2005), p. 7.

20- تقرير الأمين العام بالأمم المتحدة، 17 جوان 1992، ص. 13، لمزيد من التفاصيل أنظر الوثيقة A/47/50.

21- مروة نظير، "عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة: التطور المفاهيمي والعملياتي"، الحوار المتمدن، 3168، 28 أكتوبر 2010، تم تصفح الموقع يوم 12/12/2013:

>

22- تقرير الأمين العام بالأمم المتحدة، المرجع سابق، ص. 8.

23- هشام حمدان، نظام حفظ الأمن والسلم الدوليين خلال الحرب الباردة –دراسة في القوات الدولية التابعة للأمم المتحدة- (لبنان: ناس للطباعة والنشر، 2000)، ص. 75.

24- عادل زقاغ، "ادارة النزاعات الإثنية لفترة ما بعد الحرب الباردة: دور الطرف الثالث" (مذكرة ماجستير في العلوم السياسية، قسم العلوم السياسية، جامعة باتنة، 2003)، ص. 25.

25- Jonathan Blais, “Consolidation de La Paix et Approche globale : Vers Une Intégration Des ONG?”, p.6.

<[url=http://www.peacebuild.ca/Blais-Vers une approche globale.pdf]www.peacebuild.ca/Blais-Vers%20une%20approche%20globale.pdf[/url]>

26- Jonathan Blais, Op. cit., p.8.

27- غادة علي موسى، "اعادة النظر في استراتيجيات الأمن الإنساني في المنطقة العربية" (ورقة بحث قدمت في المؤتمر الدولي: "الأمن الإنساني في الدول العربية"، عمان، الأردن، 14-15 مارس 2005)، ص. 17.

28- Simona Florea, “The Role of NGOs in Post Conflict Reconstruction: A Partnership with The United Nations” (Master’s Thesis, Webster University, Geneva, July 2005), p. 62.

29- Ibid., p. 44.

30- David P. Forsythe, Human Rights in International Relations  (New York: Combridge University, 2006), p. 89.

31- Elisabeth Rehn and Ellen Johnson Sirleaf, Women, War And Peace: The Independent Experts’ Assessment on the Impact of Armed Conflict on Women and Women’s Role in Peace-building (New York: Remlitho Inc, 2002), p. 20.

32- Jeanne Dambendzet et Autres, La Place Et Le Rôle Des Femmes Dans La Société Congolaise 1960-2010 Bilan Et Prospectives (Paris : L’Harmattan, 2011), p. 54.

33- Richard Bowd and Annie Barbara Kwanha, “Understanding Africa’s Contemporary Conflicts: Origins, Challenges and Peacebuilding”, Institute For Security Studies, 2010, p. 243.

‎   

34-  شيلبي كواست، "النوع الاجتماعي وأثره في اصلاح قطاع العدالة"، مركز جنيف للرقابة الديمقراطية على القوات المسلحة، 2008، ص. 70.

<[url=http://www.dcaf.ch/.../Gender Tool 4 Ar.pdf]www.dcaf.ch/.../Gender%20Tool%204%20Ar.pdf[/url]>

35- Max Stephenson and Laura Zanotti, Peacebuilding through Community- Based NGOs Paradox And Possibilities (USA: Virginia Kumarian Press, 2012), p. 22.

36- ريتشيل بلاكمان، "بناء السلام في مجتمعاتنا"، مؤسسة تيرفند للتنمية، 2003، ص. 49.

37- المرجع نفسه، ص. 49.

38- “Elections, Paix & Sécurité en Afrique De L’Ouest”, Gorée Institute, Sénégal, 2010, p. 84.

39- تم تمويل هذه العملية من قبل مؤسسة Friedrich Ebert Foundation، وقد انطلقت العملية في 01 مارس 1999.

40- Elections, Paix & Sécurité en Afrique De L’Ouest, Op.cit., p. 85.

41- Henry F. Carey and Oliver P. Richmond, Mitigating Conflict The Role Of NGOs (England: Frank Cass Publishers, 2003), p. 64.

42- Elections, Paix & Sécurité en Afrique De L’Ouest, Op.cit., p. 86.

43- Mamadou Ndiaye, “E. Gouvernance Et Démocratie En Afrique : Le Sénégal Dans La Mondialisation Des Pratiques” (Thèse Pour Le Doctorat En Sciences De L’Information Et De La Communication, Université Michel De Montaigne, Bordeaux 3, 2006), p. 103.

44- Ambrose James and Frances Fortune, “Des Elections Crédibles En Sierra Leone”, Les Etats Fragiles, N. 32, Décembre 2007, p. 12.

45-Philippe Ryfman, LaQuestion Humanitaire, Histoire, Problématique, Acteurs et Enjeux De L’Aide Humanitaire Internationale, Op. cit., p. 95.

46- Simona Florea, Op.cit, p. 62. 

47- "لجان تقصي الحقائق والمنظمات غير الحكومية: العلاقة الأساسية، مبادئ "فراتي" التوجيهية للمنظمات غير الحكومية العاملة مع لجان تقصي الحقائق، المركز الدولي للعدالة الانتقالية، 2004، ص. 15.

48-Simona Florea, Op.cit, p. 62. 

49- Sarah Michael, “The Role Of NGO In Human Security”, Working Paper No. 12, Hauser Center For Non Profit Organizations, Harvard University, 2002, p. 20.

50- Annour Ebrahim, NGOs and Organizational Change: Discourse, Reporting, and Learning (New York: Combridge University Press, 2003), p. 52.

51- Martina Fischer, “Civil Society in Conflict Transformation: Strengths and Limitations”, The Berghof Handbook II, Barbara Budrich Publishers, 2011, p. 295.

52- Ibid., p p. 300-301.

53- Bernard C. Nwaiwu, “Critical Management Challenges Facing NGOs- Examing The Impact Of Legitimacy and Human Ressource Issues On NGO Effectiveness”, Working Paper 1.4, CEDE Trust Fund, 2013, p p. 4-5.

 

54- Roberto Belloni, “Shades Of Orange And Green Civil Society on The Peace Process In Northern Ireland”, in Social Capital And Peace Building Creating And Resolving Conflict With Trust And Social Networks, The author: Michaelene Cox (London: Routledge, 2009), p p. 14-18.

55- Mark Owen and Anna King, “Religious Peacebuilding and Development In Nepal”, Report and Recommendations For The Nepal Ministry Of Peace and Reconciliation, 2013, p. 7.

<[url=http://www.winchester.ac.uk/academicdepartments/theology/Research/Documents/Religion and Peacebuilding in Nepal Report.pdf]http://www.winchester.ac.uk/academicdepartments/theology/Research/Documents/Religion%20and%20Peacebuilding%20in%20Nepal%20Report.pdf[/url]>

56- Bernard C. Nwaiwu, Op. cit., p. 3.

57- Mark Suchman, “Managing Legitimacy: Strategic and Institutional Approaches”, Academy Of Management Review 20, p. 580.

58- Jonathan Blais, Op. cit., p. 15.

59- Ibid., p p. 14-15.

60- Ibid., p.15.


_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
عقبات تفعيل المنظمة غير الحكومية في حوكمة بناء السلام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: ******** لسا نـــــــــــــــــــــــس ******** :: السنة الثالثة علوم سياسية ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات ) :: عـــلاقــــــــات دولــــيــــــة ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات )-
انتقل الى:  
1