منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مذكرة بناء السلم في مالي - الفرص و التحديات -
من طرف salim 1979 السبت يونيو 09, 2018 12:31 am

» تفاءل يا أخ الأحزان، فإن النصر في الصبر
من طرف ahlm22 السبت مايو 26, 2018 5:09 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2017
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:58 pm

» التنافس الدولي على الموارد الطبيعية في افريقيا بعد الحرب العالمية الثانية
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:57 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2018
من طرف salim 1979 الجمعة مايو 25, 2018 7:03 pm

» الحرب وضد الحرب
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:51 pm

» التحول والانتقال الديمقراطي: النسق المفاهيمى
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:46 pm

» تحميل الثقافة العالمية العدد 177
من طرف salim 1979 الخميس أبريل 12, 2018 3:53 pm

» أعداد مجلة المعرفة السورية
من طرف salim 1979 الإثنين أبريل 02, 2018 9:23 pm

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ

شاطر | 
 

 آراء حول المحافظـة علـى الهويـة الثقافيـة العربية في ظل العولمـة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5137
نقاط : 100011845
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: آراء حول المحافظـة علـى الهويـة الثقافيـة العربية في ظل العولمـة   الإثنين أكتوبر 21, 2013 12:13 pm

آراء حول المحافظـة علـى الهويـة الثقافيـة العربية في ظل العولمـة
 
 
              1 . المقدمــة
          كان العرب منذ أقدم العصور وسيظلون فى وسط الأحداث العالميــــة . يرجع هذا الى عدد من المتغيرات من بينها موقعهم الجغرافي المتوسط ، ومساهمتهم الهامة فى بناء الحضارات القديمة ، وعلاقتهم بالأديان السماوية . وإذا كانت الشعوب التى دخلت التاريخ من أوسع أبوابــه تواجه اليوم تأخر موقعها، وحلولها فى الصفوف الخلفيــة  فأن هذه الشعوب  لا تخرج من التاريخ وانما يظل فيها من يعمل ليستمر وجودها . لذلك فسواء شئنا أم أبينا ، وبغض النظر عما سنقوله عن النظام العالمي وعن العولمة فالعرب هم من أولى الأمم التي تعنيها هذه المفاهيم . ومجال هذه المفاهيــــم واسع ، وقد اخترنا جانبا  نسلط عليه الضوء لعلاقته بالهوية الثقافية. 
 
        ننطلق فى محاولتنا من عدد من المسلمات الرئيسية : لأبناء كل مجتمع هوية ثقافية ، والهوية الثقافية هي كل غير جامد ينمو ويتغير ، كما يوجد  النظام العالمي الذي يعتبره  البعض أنه يتحول الى ما يسمى بالنظام العالمي الجديد ، العولمة ظاهرة ترتبط  بالنظام العالمي ، وهى تعنى وتشتمل على مكونات كثيرة ترتبط بمختلف جوانب  الحياة الاجتماعية من اقتصاد وسياسة وثقافة. العولمة ظاهرة تفرض نفسها على جميع بلدان العالم ، ولا يستطيع العرب تفادى تأثيــراتها، ولكن بالإمكان تفادى آثارها السلبيـــــة فى معظم
 المجالات، والذي يهمنا فى هذه الورقة على وجه الخصوص هو تلك السلبيات  التى تشكل تهديدا متوقعا للهوية الثقافية العربية .
 
      تبرز من هذه المسلمات تساؤلات كثيــرة نذكر أهمها : هل يوجد ما يمكن أن يسمى
بالنظام العالمي ؟ وهل يوجد ما يمكن أن يسمى بالنظام العالمي الجديد ؟ وهل للعولمة نتائج  سلبية  بالنسبة للنسق الثقافي العربى؟ وكيف يمكن التعامل مع هذه النتائج السلبية وبأي وسيلة يمكن مواجهتها؟ وما هو دور التعليم فى هذه المواجهة؟ وما هو نوع التعليم المناسب لمجاراة طبيعة التغير الذي سيشهده القرن القادم ؟
 
 
2 . النظــام العالمي
 
       إذا اعتبرنا أن النظام العالمي يعنى نسقا تتحدد من خلاله العلاقات بين شعوب الأرض فيمكن القول  بأن مثل هذا النظام وجد منذ الأزمنة القديمة . فشعوب الأرض مختلفة،  وقد  طورت لنفسها أنظمة سياسية ذات معالم واضحة، ودخلت مع بعضها فى شبكة من العلاقات  تنوعت بين قطبي التعاون والصراع . لكن المرء الذي يتحدث عن الأيام الأخيرة للقرن  العشرين قد لا يعنيه كثيرا  الغوص فى أعماق التاريخ للوصول الى الجذور البعيدة ، ويكفيه الرجوع بالذاكرة الى الوراء قليلا . وعليه فلن نرجع كثيرا الى الوراء ونكتفي بالحقبة التاريخية التى تبتدئ  مع نهاية الحرب الكونية الثانية .
      غيرت الأحداث التاريخيـــة بجوانبها  السياسية والعسكرية  والاقتصادية التى أفرزتها تلك الحرب صورة النظام العالمي الذي كان سائدا من قبل تغييرا جوهريا . ولعل أهم  عوامل التغييــر تتمثل فى انتهاء الاستعمار الأوربي بمعناه التقليدي، وظهور الدول المستقلة حديثا، والتقدم التقني الهائل فى كل المجالات وخصوصا فى مجال الاتصالات، وبروز الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة كقطبين رئيسيين عمل كل منهما على استمالة أكبر عدد من بلدان العالم الى معسكره . وظهر ما يعرف بالمعسكر الغربي وبالمعسكر الشرقي . لقد لعبت القوة العسكريـــــة دورا أساسيا فى تحديد هذه القطبية الثنائية ألا أن متغيرا آخر لا يقل أهمية ونقصد به الأيديولوجيا يعزى له الفضل فى رسم ملامح كلا القطبين وإظهارهما بصورة الخصمين اللدودين  .فأمريكا الرأسماليـة اعتبرت الشيوعية أيديولوجية لا دينية واستبدادية ولا مكان فيها للفرد وحريته . وعلى الطرف الآخر نظر الاتحاد السوفيتي إلى أمريكا كدولة إمبريالية لا تعيش ألا على امتصاص خيرات الغير واستغلال الآخر أبشع استغلال . عمل كل قطب بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لفرض سيطرته على أكبر جزء من العالم . وانتهت الحرب العالميـة  ولكن الحروب لم تنته بل أنها تكاثرت انتشرت . وهى حروب بين القطبين لكنها جرت فوق  أرض ثالثه، تواجه فيها  مواطنون من بلدان أخرى . كما وظفت  الأيديولوجيا  الى أقصى درجة ممكنة لكسب المؤيدين وبسط النفوذ .
 
       وتتطور فى داخل النظام العالمي أنظمة فرعيــــة  تهتم فقط بعدد محدود من الأقطار التى ترتبط بعلاقات خاصة فيما بينها مثل النظام العربي الفرعي الذي تطور حول جامعة الدول العربية . بل أن هذا النظام الفرعي نفسه، يمكن أن ينقسم الى أنظمة فرعية أصغر، كما هو حاصل اليوم فى الوطن العربى على الأقل بالنسبة  لنظامــــين فرعيين فيه الاتحاد المغاربي ومجلس التعاون الخليجي . ويوجد فى العالم أنظمة فرعية أخرى . كما أن الأقطار المنتمية الى هذه الأنظمة الفرعية وغيرها ممن لم تنتم  وحدت مجهوداتها وأنشأت منذ منتصف الخمسينات مجموعة دول عدم الانحياز . ويفترض كما هو واضح فى التسمية أن البلدان المنتمية لهذه المجموعة لن تنحاز فى سياساتها الى أحد القطبيــــــن وأن بإمكان البلد المنتمى لهذه المنظمة الثالثة  اتخاذ قراراته الرئيسة بنفسه وبصورة مستقلة عن تأثيـــر أحد القطبين . لا شك أن مجموعة عدم الانحياز لعبت دورا هاما فى الأحداث السياسية  التى ظهرت بعد  منتصف الخمسينات ، وقامت بدور فى معادلة حفظ التوازن  فى العالم ، ألا أن القرارات العالميــــة الهامة لم تتحرر من سيطرة أحد القطبين، كما لم تستطع أقطار العالم الثالث الوقوف على الحياد فى جميع الأوقات .
                                
        ثم جاء الوقت الذي تغيرت فيــه الأمور، وأنفرط فيه عقد الدول التى تجمعت حول   الاتحاد السوفيتي، وأصبحت مجموعة من الدول المستقلة . تخلصت  من أيديولوجية ظلت مسيطرة على مدى سبعين عاما، وأخذت باقتصاد السوق وبالتعددية الحزبية.  وبدا العالم وكأنه  أخذ بنظام عالمي أحادى القطبية . ولا نريد أن ندخل هنا فى حديث حول هذه الأحادية، والى متى ستدوم، ومن هي الأطراف المرشحة لتلعب دورا  يجعلها تنافس الولايات المتحدة الأمريكية فى مجال السيطرة السياسية والاقتصادية والتكنولوجية. فلمثل هذا الحديث مكان آخر .
 
 
      انتهت الحقبة التى تزعم فيها الاتحاد السوفيتي المعسكر الشرقي  ، وزالت  بذلك ما كان يعرف بالحرب الباردة ، وخسرت الشيوعية أرضا شاسعة قامت على أنقاضها دول كثيرة . دول تسابق قادتها  للدخول ضمن المنظومة  الغربيـــة بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية . وتسربت الى داخل هذه المجتمعات القيم والمعايير الغربيـة بسرعة هائلة أذهلت المفكرين  حتى راح بعضهم يبشر ببداية عصر  نهاية التاريخ . نظر هؤلاء الى ما حدث فى أوربا الشرقيـــة على أنه دليل  على صحة النظام الغربي، وسلامة الأيديولوجية الغربية وأعتبرها ستسود العالم بأجمعه . لم تتخل الصين  بسكانها الذين يزيدون عن مجموع سكان قارتي أوربا الموحدة وأمريكا الشمالية  عن الأيديولوجية الشيوعية. وشكل هذا الوضع تهديدا لصحة الفرض القائل بنهاية التاريخ .
 
        تشجع رئيس الولايات المتحدة  فى بداية العقد الأخير من القرن العشريـــن وبشر بتشكل نظام عالمي جديد . نظام يأخذ فى الحسبان النتائج التى أفرزتها الأحداث الدولية التى بدأت مع منتصف عقد  الثمانينات. نظام يدعى القائلون به أنه  يقوم على التفاهم بين جميع الأطراف، واتفاقها على حل قضايا الخلاف بواسطة التفاوض السلمي، وتعاون  الجميع  للمحافظة على عالم لا تهدد  أمنه واستقراره المشكلات الخطيرة .
 
         لكن ، هل تكون بالفعل نظام عالمي جديد ؟ وهل يختلف النظام  الحالي  عن الأنظمة التى سبقته ؟ لقد شعر قادة الولايات المتحدة بأنهم  كسبوا المعركة  التى خاضوها ضد الاتحاد السوفيتي  ومنظومته خلال الأربعين سنة الأخيرة . وأن هذه ستكون آخر المعارك فالوفاق والتفاهم والتعاون هو الذي سيحل محل الصراع والخصام . ويبدو أن هذا هو ما حدث بالفعل على مستوى القارة الأوربية. فحلف وارسو أنفرط ولكن حلف الأطلسي لم ينفرط بل أن أعضاء حلف وارسو يتسابقون للدخول فى  حلف الأطلسي .
 
      وبغض النظر عن خصائص النظام الذي تكون ، وبغض النظر عن تعريفاته فان وصفه بالجديد ليس جديدا . وكما هيكل : " …فالفكرة ليست جديدة ، وتعبير ( النظام العالمي الجديد ) سبق استعماله عدة مرات . أستعمله وانستون تشرشل فى أعقاب الحرب العالمية الأولى وهو يطالب بسيادة أنغلوساكسونية تفرض مشيئة المنتصرين فى الحرب بحق النصر على بقية الدنيا . ثم أن الرئيس الأمريكي فراكلين روزفلت أستعمل التعبير نفسه سنة 1941 وهو يمهد لدخول الولايات المتحدة الى ميادين الحرب العالمية الثانية، ويبشر الدنيا بجنة بعد الحرب متحررة من الفقر والجهل والمرض والظلم السياسي والاجتماعي (هيكل،1994 :10 ). لكن هل يمكن اختصار العالم الى مجموعة دول أوربا وأمريكا الشمالية؟ على مستوى الفاعلين الرئيسيين  لاشك أن أهمهم تركزوا  فى الماضي فى أوربا ،  ثم انضمت إليهم  الولايات المتحدة  فيما بعد . وما يجرى ألآن على الساحة الدولية عبارة عن استمرار لوضع دام قرونا . فالتسمية التى يعتبرها البعض جديدة هي قديمة المحتوى . فلا تزال بلدان غربية محدودة تحتكر أهم القرارات الدولية على مستوى الاقتصاد والبيئة والسياسة. ومشاركة بعض البلدان مثل اليابان  على مستوى القرارات الدولية الرئيسة هي مشاركة محدودة  ومحسوبة ومسموح بها مقدما . وتبقى مشاركة بقية بلدان العالم محدودة  من حيث المجال ومن حيث الجغرافيا .
 
2 ـ العولمة
 
         العولمة مفهوم له ارتباط  بالنظام العالمي ويحظى هذه الأيام باهتمام  الكتاب والباحثين،  وأصبح للكتابات حوله  مكان بارز فى أدبيات  العلوم الاجتماعية . فلا يكاد يمر يوم  لا تقع فيه العين  على هذا المفهوم فى الكتابات الصحفية العامة ، وفى المجلات والدوريات المتخصصة . كما لا يكاد يمر يوم لا يسمع فيه السامع هذا المفهوم  فى الأحاديث التى تبثها محطات الإرسال المرئي أو برامج الإذاعة المسموعة. لقد أرتبط استخدام المفهوم بعدد من المفاهيم ذات العلاقة مثل : العالم القرية ،والاعتماد المتبادل ، والشركات متعدية الجنسية ، والمنظمات الأهلية متعدية الجنسيات ، واقتصاد الرفاه الخ..
 
       لا شك أن البعد ألأقتصادى للمفهوم  هو الذي يحظى بنصيب الأسد من النقاش والتوضيح والتعليق ، ولاشك أيضا أن الاقتصاد كان ولا يزال أهم دوافع الإنسان للعمل وللنشاط . وقد لعب التبادل التجاري  دورا رئيسيا فى تحديد العلاقات بين البلدان المختلفة منذ القدم . ألا أن التغيـــر الذي طرأ على طريقة التبادل التجاري  خلال العقود الأخيرة  جعل  لهذا الأسلوب نمطا جديدا متميزا . فقد صارت رؤوس الأموال  تتنقل عبر الحدود الجغرافية والحدود السياسية بسهولـة  تحت غطاء لا يتعارض و الكرامة  الوطنية ، فهي تتنقل باسم الاستثمار الخارجي ، وحرية التجارة التى أزالت الحواجز الجمركية . وقد ساعدت عوامل كثرة على سرعــة انتشار هذه الأفكار لعل أهمها حالة  الفقر التى كانت عليها بلدان كثيرة . فقر مادي، وفى الخبرات الحديثة ، وفقر فى توظيف الثقافة توظيفا واسعا. وتفاوت   المجتمعات من حيث الإمكانات الاقتصادية، فالبون  بينها شاسع جدا . حيث يسيطر عدد صغير من بلدان العالم على أكبر قدر من الإمكانات الاقتصادية . والعدد الصغير من هذه المجتمعات المسيطرة والتي يمكن تسميتها بالبلدان الغنية اقتصاديا تضم  نسبة متواضعة من حجم سكان الكرة الأرضية. بينما تشكل البلدان الفقيرة غالبية بلدان العالم  وغالبيـة السكان . لذلك انتشرت رؤوس الأموال انطلاقا من  عدد صغير من البلدان  باتجاه بقية بلدان العالم . وهى تسير فى أغلب الأحيان فى طريق ذي اتجاه واحد . وبالطبع تمكنت بعض البلدان خلال السنوات الأخيرة من أن يكون طريق انتقال رؤوس الأموال أليها طريقا ذا اتجاهين.
 
       إن وجود الشركات ذات الإمكانيات المالية الضخمة، والتطور السريع فى التقانة وخصوصا فى مجال الاتصالات سهل انتقال رؤوس الأموال عبر الحدود. فقد ألغى التطور الذي حدث فى مجال الاتصالات الحدود السياسيـــــــة، وأختصر الزمن، ووحد نوعية التطلعات  مستوياتها. لا تقتصر العلاقات  الاقتصادية بين بلدان العالم على انتقال رؤوس الأموال  وتبادل السلع والمواد، بل أن المبادلات تتسع لتشمل مختلف جوانب الحياة  وفى مقدمتها  النسق الثقافي  بما فيه من قيم ومعاييـر تتضمن العادات وتحدد الذوق العام فى مختلف مجالاته من كيفيـة اللباس، الى ألوان الطعام ، إلى أنواع الموسيقى .
 
      عمل خلال  حقبة القطبية الثنائية  كل معسكر  على   تحصيـــن أعضاء المجتمعات التى تدور فى فلكه ضد تأثير المعسكر الآخر.  شملت أدوات التحصين  التى لجأ إليها المعسكر الشرقي غلق الأبواب التى يمكن أن يتسرب منها التأثير الغربي   وفى مقدمتها وسائل الاتصال  بمختلف أنواعها حتى وصف هذا المعسكر من قبل الغرب بمجتمعات ما وراء الستار الحديدي . كما شملت الوسائل  البرامج التعليميـــة ، والدعايــة المضادة، 
وبناء المجتمع الذي يتساوى فيـه الجميع فى الإمكانات المادية .  وظفت الولايات المتحدة الأمريكية إمكاناتها فى هذا الاتجاه حيث أنتجت  البرامج التعليميـة  والبرامج الإعلامية  صورة سلبية عن النظام الشيوعي وصورة كئيبة للفرد الذي يعيش فى تلك المجتمعات . بل بلغ الأمر درجة من   التحيـــز خلال ما يعرف فى أمريكا بالحقبة الماكرثية  بحيث كانت فيه تهمة الشيوعية إذا وجهت لمواطن أمريكي  فأنه يتعرض لسلسلة من الإجراءات لا تبتعد كثيرا عن تلك التى عرفتها أوربا أبان ما يعرف بمحاكم التفتيش. وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي فأن المجتمعات التى بقيت بعيدة بعض الشيء عن هذه التأثيرات الخارجية تقلصت الى الصين وكوريا الشمالية وكوبا الى حد ما .
 
         توحي لفظة العولمة أو الكوكبة كما يقترح إسماعيل صبري عبد الله التى يراها ترجمة أفضل للمصطلح الإنجليزي ( عبد الله ، 1996 ) . معاني متعددة بتعدد المجال الذي تستعمل فيه . ففي مجال الاقتصاد مثلا تعنى علاقات خارج سيطرة الدولة الواحدة . تشيــــر الى سوق تجارية بدون حدود وأفراد تجمعهم مصالح متبادلة  متحررين من صفة الوطنيــــة أو القومية. ويفترض فى مثل هؤلاء الأفراد أنهم يتشابهون فى ظروف الحياة  وفى  القيم التي تتحكم فى الحياة الاقتصادية بحيث تتوحد أذواقهم وطموحاتهم وتوقعاتهم . ( الجبالى ، 1996 : 5 ) . وتعنى أيضا فى هذا المجال أن الأفراد بغض النظر عن انتماءاتهم  الوطنية يدخلون فى حالــة تنافس فى الإنتاج وفى التسويق. يبدو هذا أمر عادى وقد يكون جيدا على فرض أن  المشاركين فى النشاط  متساوون من حيث الخصائص والظروف التى يتطلبها النشاط .  لكن الواقع غير هذا فأعضاء المجتمع الدولي غير متساوييــن لا فى المعرفــة والخبرة، ولا فى الإمكانات  المادية، ولا فى الظروف
المحيطة .  ففي مجال الاقتصاد  الفروق جد شاسعة.  وكما يشير  الحبالى :" .. وتتقاسم خمسة بلدان رئيسية هي الولايات المتحدة واليابان وفرنسا وألمانيا وبريطانيا فيما بينها  172 شركة من أكبر مائتي شركة فى العالم " (الجبالى ، 1996 : 6 ) . وتوضح أرقام الجدول رقم ( 1) نصيب بعض  البلدان المصدرة فى التجارة . وكما هو واضــح فأن  الولايات المتحدة حافظت منذ منتصف الخمسينات على الترتيب الأول  على الرغم من تناقص نسبتها العامة من 19%  فى العام 1955 الى   6 . 12%  . كما بلغت حصة البلدان الخمسة التى أشرنا إليها آنفا فى عام1993  43 % بعد أن كانت فى العام 1955
 7 .0 54 % . كما توضح الأرقام الواردة في نفس الجدول نمو حصص عدد من البلدان الأسيوية التى استطاعت أن تكسب لنفسها حصـــة فى التجارة العالمية وهى مجموعة الدول الصينية: الصين وهونكونج وتايوان ثم كوريا ثم سنغافورة.  وقد استطاعت هذه البلدان الخمسـة مجتمعة أن ترفع حصتها من 9 .1 % فى عام 1955 الى 7 .12 % فى عام 1993 .  وتسيطر هذه البلدان العشرة مجتمعة على أكثر من نصف  التجارة العالمية .  
 
       يهتم إسماعيل صبري عبد الله بحصر القضايا أو الظواهر والمؤسسات  التى يمكن أن يطلق عليها قضايا كوكبية بطبيعتها ومؤسسات كوكبيــــة بطبيعتها . فيذكر من القضايا استخدام أعالي البحار، واستخدام الفضاء الخارجي، واستخدام القارة القطبيــــة الجنوبية، وصيانة البيئة ، وتنقل الأفراد عبر الحدود السياسية ، وحالة الفقر ، الجريمة المنظمـــــة . ويعدد من المؤسسات جمعيات فعل الخير، ومنظمات حقوق الإنسان، ومنظمات حركات السلام ، ومنظمات حمايـــة البيئة ، والمنظمات النسائية ( عبد الله ، 1996 ).  ويفترض أن القضايا المعولمــــة تهم جميع أعضاء المجتمع الدولـــي .
لكن يلاحظ أن عددا محدودا من البلدان الغنية فرضت سيطرتها ووضعت الجميع أمام الأمر الواقع كما يلاحظ فى حالة استغلال الفضاء الخارجي والقارة القطبية وحتى أعالي البحار . أما بالنسبة للمؤسسات المعولمة فقد أثبت بعضها وخصوصا الذي لا يتبع الحكومات أنه بإمكانها عبور الحدود، والتعرض لقضايا تهم جميع  البشر، والتأثير على السياسات القومية التى تعكس مصلحة خاصة، ونقصد مصلحة البلد الواحد .
 
        كما توحي لفظة العولمة فى مجال الثقافة بمعناها الأنثروبولوجي  أن هناك خصائص ثقافيـــة ذات طابع عالمي . خصائص ثقافية متحررة من تأثير ثقافــة بعينها وتصلح لأن يأخذ بها الأفراد المنتمون الى ثقافات ومجتمعات متباينة . لكل ثقافة نسق من القيم والمعايير وأن هذا النسق متأثر الى درجة كبيرة بالدين السائد . ويفترض فى الخصائص الثقافية التى تناسب العولمة عدم تعارضها مع الأنساق المحلية للقيم . فهي ، نظريا ، خصائص تطورت نتيجـة تعاون  ثقافات كثيرة  تمكنت من تطوير  صياغة توفيقية . أو كما يكتب  عبد الله عبد الدائم : " وغنى عن البيان أن مثل هذا التفاعل بين الثقافات العالمية ينبغي أن يؤدى  فى النهاية الى تقارب عملي قوامه وضع مجموعة من الثوابت العالمية الثقافيــة التى نبغي أن تعمل الثقافات جميعها على احترامها وتعميق جذورها . وتوليد مثل هذه الثوابت وقبولها أمر ممكن إذا هو تم عن طريـــــــق الحوار الحقيقي ، وحل محل فرض ثوابت ثقافة معينة أو بلد معين على العالم كله ، والادعاء بأنها هي وحدها الثوابت العالمية " ( عبد الدائم ، 1996: 26 ) .
                                          
          تاريخيا، تأثرت الثقافات التى التقت  ببعضها البعض،  فاستعارت من الثقافات الأخرى  وأثرت فيها. حدث هذا فى حالات الجوار الجغرافي، وفى حالات الصدامات العسكرية التى أدت الى انتصار شعب على شعب آخر ، وحدثت أيضا عن طريق السفر والإقامة .  إذ لعبت وسائل الأنصال  الدور الرئيسي لانتقال الخصائص الثقافية من ثقافة الى أخرى . ولأن وسائل  الأنصال القديمة كانت بسيطة  وبطيئة، كان انتقال الخصائص الثقافية  بطيئا ومحدودا. وتاريخيا ، حاولت ثقافات غزو ثقافات أخرى ومحوها من أذهان أصحابها .
 
حدث هذا فى بعض حالات الاستعمار عندما حاول الاستعمار فرض ثقافتـه بالقوة على  الشعب الذي أستعمر . لكن بعض الثقافات دخلت فى صراع مرير ولم ترضخ بسهولـة للهيمنة الثقافية للمستعمر، ولم تخسر كل شئ.  انتهى عصر الاستعمار وحافظت هذه الثقافات على أصالتها . لكن  يرى البعض أن صراع الثقافات لم ينتــه بانتهاء عصر الاستعمار ، ويرى أن الصراعات الخطيرة القادمة سيأخذ شكل  صدام ثقافات . ونقصد بها تلك الصيحـة التى أطلقها فى صيف عام 1993 صامويل هانتينجتون مدير معهد الدراسات الإستراتيجية بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة . فقد أوحت له ما سماه البعض بالصحوة الإسلامية ،  ومحاولات بعث الهوايات الثقافية الخاصة للمجموعات ألا ثنية التى ظهرت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي بهذه الدعوة التى لا تخلو من مشاعر التحيز ضد الصحوات التى يراها تشكل خطرا على السيطرة الثقافية الغربية .
 
           ثورة الاتصالات اصطلاح يطلق على التطور السريع الذي حدث فى مجال الاتصالات خلال النصف الثاني من القرن العشريـن . وهى بالفعل ثورة لما نتج عنها من تغييرات واسعة المجال قلبت الأوضاع رأسا على عقب . اصبح العالم يعيش اليوم فى وضع بالنسبـة لوسائل الاتصالات كأنه قريـة واحدة . فالوسائل تعددت، وسرعتها بلغت مدى لم
يعرفه الإنسان من قبل ،  ولا يحتاج إنسان اليوم إلا تحريك أصابعه ليتصل بجميع أنحاء الكرة الأرضية، وبعدد هائل من مراكز  ومصادر المعلومات، ويتابع برامج البث المرئي  التابعـة لجميع بلدان العالم . لكن هذه الثورة  غيرت من قواعد اللعبة بالنسبة لانتقال الخصائص الثقافية . فالشعوب بثقافاتها المختلفة ليست لها نفس الإمكانات المعرفية والتقانية والمالية . لذلك فأن الكفة مالت الى جانب عدد صغير من الشعوب لتسيطر على وسائل الاتصالات المتقدمة ، ولتبعث إلى الآخرين ما تريد وليس بالضرورة ما تريد معرفته من خبرة وتقانة وخدمات وقيم وعادات ، واكتفت بقيـــة الشعوب بدور المتلقي .
 
 
                            
 
4 . النتائج السلبيــة للعولمة
 
       الحديث  حول طبيعة الآثار السلبية الناتجة عن العولمة  فى المجتمع العربي حديث
قد يطول لو حاول المرء تناول أكبر عدد من الآثار  لذلك سنقتصر  على عينة منها . والحديث حول الآثار السلبيــــة  حديث يتعلق بعضه بالحاضر  وأغلبه بالمستقبل . الحديث حول الحاضر حديث يصف الواقع لكن الحديث عن المستقبل  حديث يهدف الى رسم صورة لم تظهر بعد في محاولة لرسم مشهد أو أكثر . يتمنى الذي يقدم على بناء مشاهد مستقبلية أن تقترب المشاهد من الحقيقة بقدر الإمكان . لكن رسم صورة حقيقية للمستقبل ليس بالأمر السهل .   فالتنبؤ فى مجال العلوم الاجتماعيــة أمر فى غايـة الصعوبــة.
 
 ومع أنني أنتمي لفئة من الباحثين الموظفين للأمبيريقة، والقائلين بإمكانية تطوير قوانين فى العلوم الاجتماعية ، فأنني أعترف بأن الوصول الى قوانين لها نفس خصائص قوانين العلوم الطبيعية أمر غير ممكن طالما ظلت الظاهرة الاجتماعية  فى حالة تغير مستمر أى أنها غير جامدة كما هي فى حالة العلوم الطبيعية. فالمتغيرات التى تؤثر فى سير الظاهرة الاجتماعية هي نفسها فى حالة تغير دائم . لذلك فأن أقصى ما يمكن التوصل إليه فى مجال  استشراف  المستقبل  بالنسبة للظاهرة الاجتماعية هو  التوصل الى عدد من التعميمات التى تشير الى  ما يمكن أن يتطور من اتجاهات . لذلك فسنجتهد لرسم تصور لما يمكن أن ينشأ من آثار سلبية فى ضوء معرفتنا  ببعض خصائص المتغيرات التى يمكن أن تلعب الأدوار الهامة آخذين فى الاعتبار مسار الظواهر المماثلة  كما تشكلت على أرض الواقع المعاش ، وكما تطور خلال الحقب التاريخية الماضية . 
 
          يجرنا الحديث حول النتائج السلبـيـة للعولمة التى يمكن أن تلحق بالنسق الثقافي  للمجتمع العربى الى التوقف عند مفهوم  واسع الاستعمال فى أدبيات العلوم الاجتماعية وهو مفهوم التغير الاجتماعي . والنسق الثقافي  هو  المعني  فى المكان الأول بالتغير . إذ تتبدل  مكونات النسق كما تتبدل العلاقات بينها . والتغيــــر الاجتماعي  ظاهرة عرفتها جميع مجتمعات العالم . وخلال مسيرة تاريخ بناء المجتمعات البشريـــة تعرضت هذه المجتمعات  بمراحل مختلفة من التغير الاجتماعي بعضها سريــع وبعضها بطيء . طال بعضها جميع أنساق المجتمع وأقتصر بعضها على أنساق محدودة أو حتــى على جوانب بعينها . وقد أطلق  الباحثون  على هذه الأنواع أسماء ميزتها . ولعل التحديث هو من بين أهم هذه  الأسماء. فالتحديث نوع من أنواع التغير الاجتماعي  يتميز بعدد من الخصائص
التى يمكن التعرف عليها وقياسها .  وهو التغير الاجتماعي المتميز بالأخذ بأسباب الحياة العصريــة . ولأن هذه الأسباب صارت مطلبا للجميع فقد عملت كل المجتمعات على الحصول علــى أكبر قدر من هذه الأسباب وعلى توفير أكبر كمية من مستلزمات الحياة العصرية .
 
        يرى عدد من المتخصصين فى العلوم الاجتماعية الذين اهتموا بدراسة ظاهرة التحديث بأن للتحديث نموذجا أو نمطا واحدا ، وأن الأنساق الاجتماعية  المختلفة والأنساق  الثقافية المختلفة تتجه نحو التشابه كلما  قطعت البلدان المختلفـة شوطا على سلم التحديث . وبعبارة أخرى فان النسقين الاجتماعي والثقافي لبلد  بدأ مسيرة التحديث فى نقطة زمنية متأخرة بالنسبة لبلدان سبقته  ستميل الى التشابه فى الخصائص مع الأنساق الاجتماعية والثقافية للبلدان التى تقدمت على سلم التحديث( Inkeles,1981 ) . يقوم هذا النوع من التحليل على رصد الكيفية التى سارت بها بعض المؤشرات الحيويـة الهامة فى المجتمعات التى أخذت بأسباب التحديث مثل معدلات التمدرس، والولادات، والوفيات، ونمو السكان ، واستخدام التقانة ، ونوعها  الخ.. فقد لوحظ أنه كلما قطع مجتمع  مسافـــــة على سلم التحديث كلما اتجهت  مثل هذه المعدلات نحو وجهة معينة . فمثلا بالنسبة لدخول الصغار الى المدارس فأن المعدلات تتجه نحو نقطة معينة وهى وصول المجتمع الى حالة يصبح فيها كل طفل فى سن المدرسة مسجلا بالفعل فى المدرسة . بينما تتجه معدلات الوفيات بالنسبة
 
للأطفال خلال السنوات الأولى نحو الانخفاض . وتتجه معدلات الولادات أيضا إلى الانخفاض . قد تبتدئ معدلات المجتمعات المختلفة  من نقاط أو مستويات مختلفة كمعدلات الوفيات بالنسبة للأطفال خلال السنــة الأولى مثلا  فى عام 1950 . وأذا حسبت المعدلات فيما بعد كل عشر سنوات فأن المعدلات ستتجه نحو نفس الوجهة . قد لا تصل جميع المجتمعات خلال فترة زمنية معينة الى نفس النقطة ، لكن تسير جميع المعدلات نحو نفس الاتجاه على اعتبار أن مسيرة  هذه المجتمعات على سلم التحديث لم تتوقف . يقدم هذا اللون من ألوان  تفسير ظاهرة التغير الاجتماعي  تبريرا  لحالات تقليد الشعوب لبعضها أو الاستعارة  من بعضها . ومن الناحية النظريـة يمكن أن يستعير أفراد أى مجتمع  من أفراد أى مجتمع آخر، ويمكن تبادل الاستعارات ، أي أن يسير التأثر فى طريق ذي اتجاهين ، وأن يتسع مجالها ليشمل  قيما وعادات وأنماطا سلوكية  الى جانب المعدات والوسائل . لكن الذي حدث فى الماضي على أرض الواقع أن بلدا يصدر وآخر يستورد . وقديما قال أبــــن خلدون " المغلوب مولع بتقليـــــــد الغالب " . والمغلوب هنا هم شعوب العالم الثالث . ويرى البعض أن شركات كبرى بعينها نجحت في فرض نموذج بعينه وترويجه بمختلف الوسائل  عبر مختلف بقاع العالم . وأذا كانت شركتـا  الماكدونالد والبيبسى كولا  الشركتان  اللتان  تأتيان على رأس القائمـة عند الحديث عن هذه الناحية ،  فأن القائمة طويلة  وتشتمل على  عدد كبير من الشركات والمؤسسات الغربيـة  والأمريكية بصفة خاصة . لكن هنالك آراء أخرى تخالف هذا الرأي وتقول بأن للتحديــث أكثر من نموذج وأن مؤشرا ته تأخذ أكثر من اتجاه  . وأن بعض الخصائص الاجتماعية والثقافية يمكن أن تتشابه ألا أنه تظل خصائص أخرى ذات طابع محلـــــى لتميز نسق اجتماعي بعينه ونسق ثقافي بعينه. فأخذ المجتمع العربى مثلا بأسباب التحديـــث نتج عنه تحسن فى الدخل وانخفاض فى معدلات الأطفال الصغار، ولم  ينتج عنه انخفاض في عدد الولادات ولا تباطؤ فى معدلات نمو السكان ( التير ، 1992 : ). ولعل حركة التوجه  نحو البحث عن الهويــة الثقافية المحلية التى ظهرت على أنقاض تفكك كل من  الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا تعزز فرضية  الخصوصية الثقافية ، وتشكك فى مقولة إمكانية تحول  العالم الى قرية ذات ثقافة واحدة.                                                                     
 
      لعل أحد أهم صفات المجتمعات المعاصرة بأنها مجتمعات الاستهلاك الواسع. فألأستهلاك صفة لازمت الإنسان منذ القدم ، لكن الاستهلاك الكثيـر والمتنوع والواسع والمستمر هي صفة حديثة . وهى صفة  جذرتها المجتمعات الغربيـــــة  محليا  ثم سعت الى تصديرها الى الخارج.   لقد مر حين من الدهر تقاسمت فيه حفنة من البلدان الأوربية جميع أطراف المعمورة . وخلال فترة الاستعمار المباشر هذه عمل المستعمر بغض النظر عن البلد المنتمى إليه بكل الوسائل الى نقل ثقافته بما فيها من لغة وقيم وعادات وتقاليد وطريقة حياة الشعوب التى استعمرها. لذلك حتى بعد أن انحسر الاستعمار بقيت آثاره مطبوعة  فى النسقين الثقافي والاجتماعي . وقد سهل هذا الوضع عملية استمرار التأثير الغربي  والترويج  لما يصدره الغرب .                                          
 
 
       لقد خضعت أقطار الوطن العربى  باستثناء عدد محدود منها للاستعمار الغربي المباشر . وترك هذا الاستعمار بصمات واضحة منها ما حدث فى بقية بلدان العالم . ودخلت الأقطار العربية المستقلة فى علاقات مع بعضها البعض ومع الآخر والذي يشمل الغرب بما فيه أمريكا الشمالية فى الغالب ، شملت التجارة والثقافة والسياحة والمعاهدات والأحلاف فى بعض الحالات . وإمكانات العرب من الثروات الطبيعية باستثناء النفط متواضعــة ، لكن النفط ثروة لعبت الدور الهام فى تغيير شكل حياة العرب خلال العقود الأخيرة . وقد وفرت مبيعات النفط ثروة مالية ضخمـــة وخصوصا خلال فترة الوفرة  عندما ارتفعت أسعار النفط الخام لتصل الى أرقام قياسية . ومع أن النفط لم يتفجر فى جميع الأقطار، ألا أن الجميع  حصل من دخلــه على نصيب . كما أن الجميع علـى مستوى الأفراد صرف دخل النفط  فى نفس المجالات ونقصد الاستهلاك الواسع. فالعمال الزراعيون الذين تركوا الحقل ليعملوا فى البلدان النفطية لم يوظفوا ما حصلوا عليه من أموال فى تطوير مزارعهم، أو فى مشروع استثماري، وانما فى اقتناء أكبر كمية من المواد الاستهلاكية المعمرة وغير المعمرة وفى مجالات تتصل بتحسين مستوى السكن والتنقل ، ولا يخصص للتطوير والاستثمار سوى نسبـة متواضعة مما رجع به المهاجر من الخارج ( فرجاني ، 1988 : 156 - 157 ). لقد أدى هذا الاتجاه العام الى أن أصبح العربى العادي يضع اقتناء أكبر كمية من المواد الاستهلاكية  على قائمة أولويات الأهمية والمطالب والأهداف العامة فى الحياة . فصارت قائمة المواد الاستهلاكية ضمن أولى شروط بناء الحياة الزوجية. ولعبت وسائل الأعلام المرئية دورا رئيسيا فى توحيد مستوى الطموح ألأستهلاكى.  لكن هذا التوحد لم يلغ  الفوارق بين الأفراد بل شكل ضغوطات على أعضاء شريحة اجتماعية كبيرة من شرائح المجتمع  نتيجة عجزها عن  مجاراة الآخرين ألا إذا فكروا فى أتباع وسائل غير مشروعة.
                                        
         يمكن التمييز أكثر من نوع  من أنواع الاستهلاك  مثل الاستهلاك الترفى والاستهلاك التافه . هذان نوعان  من مظاهر التأثيرات ت السلبيـة للعولمة . فالاستهلاك الترفى هو ذلك الاستهلاك المبالغ  فى تكاليفه. فبدلا من اقتناء سلعة ضرورية لها ثمن معروف يختار المرء دفع عشرة أضعاف الثمن لشراء نفس السلعة التى أخرجت بشكل مزخرف  أو جميل ولكنها تؤدى نفس المهمة .  ويلاحظ أن بعض المصانع الغربيــــة
تخصصت فى صناعات من هذا النوع والتي لا تجد لها رواجا الا فى الأسواق العربيــة . كما يلاحظ أن العرب اليوم  يبالغون فى اقتناء المشغولات الذهبية، ويتبارى الصناع فى أعداد مشغولات جديدة، واعطائها أسماء متميزة ،وفى وقت قصير تصبح هذه على قائمـــــة التوصيات والمقتنيات والمشروطات. كما يأخذ الاستهلاك الترفى شكلا آخر يتمثل فى تكديس السلع بحيث يحتوى المسكن على عدد كبير من نفس السلعة. ويلاحظ هذا بالخصوص بالنسبة للسيارة وللمقتنيات الإلكترونية .
 
        ونعنى بألأستهلاك التافه عملية شراء مقتنيات أدخلت عليها إضافات لا تزيد من جودتها ولكنها ترفع من ثمنها. بعض هذه المقتنيات عبارة عن سلع لا تصلح آلا لتضييع الوقت والمال. وتلعب وسائل الأنصال الجماهيري  كبرامج الإذاعة المرئية، وشبكات الأنصال الإلكترونية، والشراء  بواسطة الطلب من بعيد، وتسهيلات الدفع  فى الترويج  لهذا السلع . يرى البعض أن الانبهار بما يأتي من الخارج مرحلة  آنية تنتهي بعد فترة". ومن جهة أخرى، لم تنجح الامركة الثقافية على الرغم من انتشار الثقافة الشعبية الأمريكية، ثقافة الجينز وموسيقى البوب والوجبات السريعة،  الذي يخلق انبهارا سريعا فى المجتمعات التى كانت مغلقة ، ولكنه سرعان ما يبهت  ويبقى محدود الأثر من حيث قدرته على تشكيل منظومة قيم عالية "( حتى ، 1995 : 15) .ألا أن الذي يتجول فى شوارع المدن العربية لا يمكنه ألا أن يلاحظ التواجد الواضح  لعناصر الثقافة الأمريكية الشعبية .
 
         ويساهم هذان النوعان من الاستهلاك فى هدر جزء من الدخل ، وفى تطوير عادات غير مفيدة . ولو كانت هذه السلع تصنع محليا  لعملت ولو الى حد على تنشيط  الدورة الاقتصادية  وساهمت فى توفير عدد من مواقع الشغل .  لكن كل هذه السلع تصنع فى خارج العالم العربى ويدفع العرب عملتهم الصعبـــــة لشرائها . وهى عملة بدأت كميتها فى التقلص منذ منتصف الثمانينات . وأصبحت الحاجة لكل قرش منها تزداد كل يوم .
 
          لقد أدت السوق المعولمة الى دخول الجميع لحلبة التنافس على إنتاج سلعـة واحدة. هذا التوجه يؤدى من الناحية النظرية الى ارتفاع مستوى الجودة  وتدنى السعر التى تصل بها الى المستهلك . ولو كان العالم بالفعل قريـــة بمعنى  ارتباط الجميع بعلاقات اجتماعية قائمة على التعاون والتضامن لعادت هذه النتيجة على الجميع بالنفع .  لكن العالم قرية  فقط من حيث تمكن الأقوياء  لتوصيل  معلوماتهم وأخبارهم الى الآخرين . لكن من حيث بقية الصفات  فالعالم غابة تزدحم بمختلف أنواع الوحوش المتصارعة . فلا أمل للمؤسسات الصغيرة أن تدخل فى منافسة متكافئة مع الشركات الضخمة متعددة الجنسيات . لذلك فأن الذي سيحصل هو تدهور مستمر فى الصناعات المحلية التقليديـة وغيرها ، وينسحب  المتاجرون فيها من السوق ، وعلى من أراد منهم البقاء فى الميدان استبدالها بالمصنوعات المستوردة والوافدة . وبعض هذا حدث بالفعل فى العالم العربى.ولا يحتاج العربى بغض النظر عن بلده  إلا أن يتفحص ملبسه ومكونات مسكنه ليرى مدى عملية الاحتلال التى تعرض لها بلده . وإذا كان بعض العرب يفخر بأنه لم يغير من طبيعة ملبسه كما فى السعودية والخليج ألا أن هؤلاء احتفظوا من اللباس العربي بالشكل فقط أما الباقي فهو مستورد . ولم تستطع المؤسسات الصغيرة المحلية التنافس مع الشركات الضخمة فى تنفيذ المشاريع التنموية التى نفذت فى الأقطار العربية وخصوصا النفطية . استفادت مختلف
الشركات الأوربية ثم الأسيوية فيما بعد من عمليات تنموية ضخمة . وضاعت على العرب فرصة نادرة لبناء خبرات وطنية ،  وتكوين فئة وطنية من المقاولين وأصحاب الأعمال . 
 
          كما أدت عولمة الاتصالات  وسيطرة حفنة من البلدان على صناعــة البرامج، وعلى تصديرها الى أن يصدر الآخر للعرب ما لا يؤمن به ويريد من الآخرين تبنيه كما هو حاصل مثلا بالنسبة للديموقراطية وحقوق الإنسان ،والحريات الشخصية ، وتنظيم  الولادات،  وحتى حماية البيئة . يريد الغرب أن يلتزم الآخر بجميع هذه القضايا كما يعرفها الغرب ، وكما يتصورها. ويفرض على العرب مواد وأدبيات ومعايير تتعارض  مع القيم العربية الإسلامية مثل ما يحدث من تضخيم وتبرير لقضايا الجنس والشذوذ والمخدرات . فباسم  حقوق الإنسان والحريات الشخصية تروج ألآن بعض المؤسسات الغربية لكم هائل من الأفكار الهدامـــة والممارسات الشاذة . وقد يقول قائل لا تفتحوا أجهزة الإذاعة المرئيــة على برامجهم ، ولا تسمحوا لمنشوراتهم بعبور الحدود، ولا تدخلوا لشبكاتهم الإلكترونية. نظريا قد يبدو هذا ممكنا ولكن من الناحية العملية فمثل هذا الخيارغير ممكن . فغلق النوافذ والأبواب أصبحت مهمة فى غاية الصعوبة. وأصعب منها إنتاج برامج محلية منافسة، وتلفت النظر، وتستحوذ على الاهتمام.
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5137
نقاط : 100011845
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: رد: آراء حول المحافظـة علـى الهويـة الثقافيـة العربية في ظل العولمـة   الإثنين أكتوبر 21, 2013 12:14 pm

 
5 -  مكونات الهوية الثقافية العربية
 
          الحديث حول المكونات الثقافية العربية حديث يحتاج الى مجال واسع . فهذه واحدة من أغنى ثقافات العالم ولأصحابها تاريخ طويل . وخلال هذا التاريخ الطويل ساهم أصحاب هذه الثقافة فى اغنائها وتطويرها. والثقافة بالمعنى الواسع تشتمل على كل ما له صلة بتنظيم حياة الفرد من المهد الى اللحد. وبغض النظر عن المستوى الذي وصلت إليه الثقافة فكل واحدة لها مكونات أربعة : نسق للقيم ونسق للمعتقدات وعناصر معرفية وعناصر رمزية ( التير ، 1996 : 48 ).  والثقافة الغنية المتطورة هي الثقافة التى تكاملت فيه مكونات هذه العناصر كما فى الثقافة العربية . فالمعتقد الديني موجود ولا يحتاج الى تغيير أو تحديث. ولا يعنى هذا أن باب الاجتهاد قد قفل، انه مطلوب على مستوى التفسير الذي يفترض أن يتناسب مع ظروف العصر ويأخذ فى الحسبان التطور الذي يحدث فى العناصر المعرفية على المستوى الدولي .  والعناصر الرمزية والتي تعنى اللغة بصورة خاصة  يحق للعرب أن يفتخروا بها . فلا أحد ينكر أن اللغة العربية غنية بمفرداتها وبقواعدها وبإمكانية تطورها ومسايرتها لروح العصر. النسق لقيمي العربى لم يترك لا شاردة ولا واردة من القضايا التى تتعلق بتنظيم حياة اجتماعية سليمة بغض النظر عن نمط الاستيطان وزمانه. أما العناصر المعرفية والتي تشير بصفة خاصة للكيفية التى تنظم بها الثقافة المعارف فى المجالات المختلفة. وتاريخيا ساهم العرب بنصيب هام فى تطوير المعارف العلمية وأخذ الآخرون عنهم. ومع أن التطور العلمى يستفيد منه جميع أفراد البشر إلا أن الظروف التى مر بها المجتمع العربى ساهمت فى تخلفهم نسبيا عن مواكبة الركب . هذا التخلف يمكن أن يزول أو تخف حدته نظريا وخصوصا بعد الانتشار الواسع للتعليم . لكنه أمر لم يحدث عمليا بعد لتوفر عدد من الأسباب الجوهرية من بينها نظام ومكونات العملية التعليمية وخصوصا فيما يتعلق باستخدام اللغة العربية والأخذ بأسباب النهج العلمى فى التفكير وطبيعة العلاقة مع الثقافات الأخرى.
 
 
6   التعليم العالي فى الوطن العربى  والهوية الثقافية
                 
         حافظ العرب ولقرون عديدة على هويتهم الثقافية . واشتهروا  بالتفاخر بهويتهم خلال جميع العصور بما فى ذلك العصور التى انكسرت فيها شوكتهم العسكرية واستعمروا من قبل أقوام تفوقت عليهم عسكريا واقتصاديا وعلميا. حتى أثناء هذه الظروف الصعبة لم يسجل  التاريخ أن العرب فى عمومهم تخلوا عن المفاخرة بهويتهم الثقافية . وحتى فى أتسوأ الظروف وأقساها تفنن العرب فى تطوير أساليب وبرامج للتعليم حفظت للعرب عروبتهم وحافظت على هويتهم. فلم يفقدوا دينهم ولا لغتهم ولا قيمهم كما حدث مع شعوب كثيرة بعضها لم يستعمر بنفس القسوة أو لفترة مماثلة . كما أصر العرب طوال عهود الاستعمار على التشبث بجميع مظاهر الهوية الثقافية العربية .  
 
         وجاء الوقت الذي انحسر فيه الاستعمار البغيض الذي ذهب يجرجر أذيال الهزيمة والعار. لم يضيع العرب وقتا فى العمل بجد على تعويض ما فاتهم فاتجهوا جميعا نحو التعليم الحديث ينهلون من مناهله المختلفة بهدف اللحاق وفى أقصر وقت ممكن بركب البلدان التى قطعت شوطا كبيرا فى طريق الحداثة. أنتشر التعليم فى جميع أرجاء الوطن العربى ، ولم تمض فترة طويلة حتى انتشر التعليم العالي بجميع أشكاله ومجالاته ومستوياته.
 
         التعليم العالي العربى ليس نظاما واحدا فمع مقومات التوحيد الموجودة فى المجتمع العربى الكبير إلا أن الظروف التى قادت الى ظهور هذا العدد الكبير من الوحدات السياسية ساهمت فى وجود أنظمة مختلفة للتعليم العالي فى الوطن العربى . ويمكن اختصار هذه الاختلافات وبهدف التبسيط الى نظامين رئيسيين يتأثر أحدهما بنظام التعليم الفرنسي ويتأثر الآخر بنظام التعليم الانجلوسكسونى. لكن ، ومع ذلك يمكن تمييز صفات عامة مشتركة للتعليم العالي العربى لعل أهمها : 
 
أ سياسة الباب المفتوح 
         قررت السلطات العربية الرسمية فتح باب العليم العالي لجميع الراغبين من الطلبة الذين أنهوا بنجاح مرحلة الدراسة الثانوية . فهو ليس موجها للنخبة فقط بغض النظر عن الكيفية التى يتم بها تعريف النخبة. بل أن بعض البلدان اتبعت سياسة التوجيه الرسمي الى الجامعات والتخصصات.  فتنشر فى بداية العام الدراسي أسماء طلبة الناجحين فى امتحان إتمام الدراسة الثانوية وأمام اسم كل منهم أسم الكلية الجامعية التى وجه للدراسة إليها . وعادة ما تتم هذه العملية على ضوء النسب المئوية للنتائج التى حصلها الطالب. وباستثناء لبنان  وبعد مدة مصر ولفترة قريبة جدا تولت الدولة مسئولية إنشاء وتعهد مؤسسات التعليم العالي . وحتى بعد أن بدأت مؤسسات التعليم العالي الخاصة تظهر على خريطة بلدان عربية أكثر فان نسبة طلابها لمجموع الطلاب بسيطة جدا.
 
ب مجانية التعليم
         تولت الدولة فى كل قطر عربي مسؤولية توفير التعليم العالي للجميع وبدون مصاريف
وحسنا فعلت. فعندما حصلت كل دولة عربية مع استثناءات محدودة على استقلالها كان أغلب مواطنيها من الفقراء الأميين وشبه الأميين . ولو لم تعمل الحكومات العربية هذا لما وصل انتشار التعليم العالي ما وصل إليه الآن فقد ارتفعت أعداد المنتسبين إليه بسرعة كبيرة وهى أكبر عند مقارنتها بما حدث فى بلدان أخرى ( القاسم ، 1997 : 23 - 24 ) . ومع أن معدلات الانتشار ما تزال متدنية بمقارنتها بنظيراتها فى البلدان المتقدمة ،  فإمكان الدول العربية أن تفخر بإنجازاتها الكمية فى مجال التعليم العالي .  
 
ج تكوين رأس المال البشرى
         تمثل الهدف الرئيسي للتعليم العالي العربى حتى الآن فى تكوين الأطر للعمل فى مختلف المجالات. فغالبية مخرجات التعليم العالي تدخل السلك الوظيفي  وخصوصا فى دواوين الحكومة. وقد عملت بعض الحكومات الى توجيه المتخرجين من التعليم الجامعي على مختلف مجالات العمل فى الحكومة . لذلك تعود  الحاصلون على شهادات التعليم العالي على أن تؤمن الحكومة لهم فرصا للعمل . وتوجد ضمن هيكلية الحكومة فى أغلب البلدان العربية وزارة خاصة أو إدارة خاصة مهمتها تنظيم دخول الحاصلين الجدد على شهادات عليا الى سوق العمل. لكن وبمرور الوقت أصبحت مهمة حصول كل صاحب شهادة عليا على وظيفة حكومية أمرا صعبا، فقد تشبع الجهاز الحكومي فى أكثر من بلد عربي. وجاء الوقت  الذي عرفت فيه الأقطار العربية بطالة المتعلمين .وتبين أن سياسة  تولى الحكومة مسئولية إيجاد وظيفة لكل صاحب شهادة ليست رشيدة . فقد أصبحت  دواوين الحكومية مكانا يتكدس فيه الموظفون الذين لا ينتجون بمعدلات عالية . كما أصبح الفرد معتمدا على الحكومة لكي تتولى توظيفه وتعود الفرد على الأتكالية .
 
د - الفصل بين التعليم العالي والبحث العلمى
         يفترض وجود علاقة قوية ما بين التعليم العالي والبحث العلمى. وهذه العلاقة موجودة فى بلدان كثيرة وخصوصا التى تنعت بالمتقدمة . لكن يلاحظ أن التعليم العالي فى البلاد العربية غير مرتبط بالبحث العلمى . وهذا وضع غير طبيعي تسببت فيه عوامل كثيرة لعل أهمها التكاليف الباهضة للبحث العلمى وتقاعس البلدان العربية عن تخصيص نسبة مناسبة من الدخل القومي للصرف على هذا المجال. فيلاحظ حتى فى الأقطار العربية المصنفة غنية عدم حصول النشاط البحثي على الاهتمام الذي يستحقه . ومع أن الأنفاق على التعليم العالي يعتبر عاليا فى الأقطار العربية إلا انه يلاحظ أن نسبة ما يخصص من الدخل القومي للتعليم العالي هي أقل فى بعض الأقطار العربية النفطية بالمقارنة بما يخصص من الناتج القومي فى أقطار عربية غير نفطية . فكما تبين أرقام الجدول رقم ( 2 ) فان النسبة المئوية الأعلى كانت من حظ لبنان والأردن وتأخرت أقطار مثل الكويت والقطر الى المرتبة الخامسة ، كما دخلت ليبيا والإمارات ضمن الترتيب السابع والأخير والذي ضم أيضا جيبوتي واليمن والصومال.   
 
         لا شك أن تطوير البحث  العلمى المحلى أمر فى غاية الأهمية لكن الأقطار العربية خصصت إمكانياتها لنشر التعليم العالي على أوسع نطاق ممكن . إلا أنه يجب عدم النظر الى التعليم العالي ككم فقط فالكيف مهم جدا . والكيف يرتبط بعوامل كثيرة منها درجة كفاءة هيئة التدريس، ونسبتهم للطلبة ، والإمكانات الفنية المساعدة . والبحث العلمى المحلى يفيد فى الرفع
من مستوى أعضاء هيئة التدريس، والتطبيق العملي لما يدرس ، وتوطين المعرفة العلمية وتطبيقاتها التقانية. 
 
         ذكرنا آنفا أن  الانتشار الكمي يشير الى أحد جوانب واحد من جوانب العملية التعليمية، ونذكر انه إذا وجد العرب مبررا لنشر التعليم العالي بأسرع وقت ممكن فأن الوقت قد حان لكي يولى العناية يصبح التعليم العربى فى مستوى نظرائه فى الدول الأخرى خصوصا ونحن نعيش عصرا  تقصر فيه المسافات وتشتد فيه مظاهر التنافس من أجل التفوق. وإذا  حق لعرب التسعينات أن يتفاخروا بإنجازاتهم الكمية فى مجال التعليم بصفة عامة والتعليم العالي بصفة خاصة فان الحديث عن الكيف حديث ذو شجون . ومع أن مستويات التعليم تؤثر على عملية  فى بناء الشخصية وفى تحديد هويتها الثقافية فان المسؤولية تقع على التعليم العالي لتحديد ملامح الشخصية وتحديد خصائص الهوية الثقافية  ودرجة نقاوتها .ففي هذا المستوى من التعليم ترتفع درجة وحجم العلاقات مع الثقافات الأخرى وتتحدد طبيعة هذه العلاقات. لذلك فان العبء الأكبر يقع على هذا المستوى من التعليم عندما يكون الحديث حول الهوية الثقافية. ففي هذه المرحلة يتعرض الفرد بدرجة أكبر لعوامل التأثير الفكري الخارجي . وقد يؤدى هذا التأثير الى أخطار كثيرة تهدد سلامة الثقافة وسلامة وتماسك المجتمع من غزو ثقافي الى استلاب ثقافي الى جماعات الأفكار الهدامة .
 
         لقد  استعمرت أجزاء الوطن العربى  من قبل دول أوربية مختلفة . ثم  انزاح كابوس الاستعمار ولكن قبل أن يترك وراءه  آثارا . ودون الدخول فى متاهات حصر هذه الآثار والمقارنة بينها نقول أن مجال التعليم وخصوصا العالي من بين أهم المجالات التى تبدو فيها هذه الآثار واضحة .  كما اختلفت أجزاء الوطن العربى فى طبيعة الاستعمار الذي تعرضت أختلف فى طول فترته وفى عمق تأثيره وبالتالي فى طبيعة الآثار التى خلفها وراءه. وبدون التفصيل فى أسباب الاختلاف فى آثار الاستعمار فان واحدا منها يستحق الإشادة . لقد تعلم جيل من أبناء البلد أبان الاستعمار. بعض أعضاء هذا الجيل انبهرت بنمط حياة المستعمرين بدرجة عالية  الى درجة محاولة التشبه بهم فى كل شئ . وتبدأ  عملية التشبه باستخدام اللغة ثم ينتشر ليشمل مختلف جوانب الحياة .  حافظ هؤلاء على انبهارهم حتى بعدما رحل الاستعمار ولأنهم حصلوا على نصيب من التعليم فانهم كونوا الأطر الرئيسية للحكومة الوطنية حديثة الاستقلال. وحرصوا فى مجال التعليم على أن يستمر مرتبطا بنظام التعليم الاستعماري قلبا وقالبا. لذلك يوجد اليوم فى أقطار عربية مضى على استقلالها أربعون سنة أو يزيد من يفاخر بأنه لا يجيد اللغة العربية حتى فى مستوى حياة التخاطب اليومية. وفى بعض الأقطار العربية فرض أعضاء هذه النخبة المتعلمة نمط تفكيرهم على الأغلبية. فلغة  الكتابة والنقاش فى مؤتمرات علمية كثيرة  تجمع فقط مواطني المغرب العربى ليست العربية. كما أن لغة التدريس فى مجالات معرفية متعددة  وفى أقطار عربية كثيرة ليست اللغة العربية . ولا تستعمل  اللغة العربية كلغة التعليم فى كليات الطب إلا فى قطر واحد.
         إن تعلم لغة أجنبية أو أكثر عمل مفيد لكل فرد بغض النظر عن موقعه الاجتماعي. كما أن معرفة أكثر من لغة من شأنه أن يوسع مدارك الفرد. وفى أحيان كثيرة وفى مجالات معرفية كثيرة اللغة الأجنبية ضرورة وليست من قبيل التبجح. لكن إهمال اللغة ألأم والتنصل منها هو ضرب من الاغتراب الذي يشكل تهديدا لاستمرار الهوية الثقافية.
 
 
7 -  مناقشة ختامـيــــة
         قد تكون العولمة بمعنى انفتاح أجزاء العالم على بعضها فى التجارة وفى الثقافة ظاهرة  قديمة. ألا أن بعض الأحداث الدولية خلال الستينات والسبعينات ثم الثمانينات أعطت للعولمة بعدا جديدا. كما أن اهتمام الكتاب والباحثين ووسائل الأعلام بالحديث عنها صباح مساء جعل الناس ينتبهون إليها بصورة جديدة . ولأن الثقافة الغربية هي التى سيطرت خلال العقود الأخيرة فأن أغلب خصائص العولمة رسمت فى ضوء خصائص هذه الثقافة . كما فرض أصحاب الثقافة المسيطرة تصوراتهم التى تعكس مصالحهم الشخصية . فالغرب المتقدم تكنولوجيا وماليا يهمه إزالة الحواجز الجمركية وجعل العالم سوقا واحدة تنساب فيها السلع ورؤوس المال بحرية.  وفى نفس الوقت يبنـى الغرب مجتمعا متجانسا بدون حدود داخلية ، ويبنى الأسوار العالية حولـه ، ويضع مختلف العراقيل فى وجه انتقال الأفراد أليه من خارج العالم الغربي . بل ويتفنن فى إقرار القوانين آلتي تجعل استمرار إقامة العمالة التى جاءت من أفريقيا وآسيا أمرا صعبا . وهى العمالة التى استغلت أبشع استغلال عندما كانت أوربا المهدمة تنفض عنها آثار الحرب .         
 
     والغرب المتقدم تكنولوجيا والأغنى من حيث الإمكانات الاقتصادية  يهمه تحطيم حواجز الأنصال مع الآخر  عن بعد أى عبر تقانــة الاتصالات الحديثة .  إن تحطيم هذه الحواجز يسهل عليه مهمة تصدير قيمه ومعاييــره وعاداتـه وتصوراته ثم بضائعه . فبعد أن سيطرت الشركات الضخمة متعددة الجنسيات على أسواق العالم تأتى ألآن منظومات الأنصال الإلكتروني لتسهل عملية البيع والتصديـــر أمام عدد هائل من أصحاب الشركات الصغيرة وحتى التشاركيات الأسرية .  إذ مكنت هذه التقانة هؤلاء من الوصول الى بقيـة أسواق العالم . ويستمر نمط السلوك الممكن أمام  سكان العالم الثالث التلقي والتقليد . لتكون العولمة  عولمة بالمعنى المثالي يجب أن تعنى جميع شعوب الأرض وبالتساوى من حيث الخسائر والأرباح . وإذا كانت العولمة عولمة بالمعنى المثالي فيجب أن تشمل تنقل الأفراد أيضا. فكيف يسمح لرؤوس الأموال وبالأفكار وبالأيديولوجيات بالتنقل بحرية كاملة وتوضع العراقيل أمام تنقل الأفراد. وفى  الوقت الذي تملى فيه الدول القوية أوامرها على الآخرين وتلزمهم بفتح أسواقها أمام الشركات الكبرى ورؤوس الأموال والأفكار  تفرض عليهم فى نفس الوقت أن يتقيدوا بالبقاء فى داخل حدودهم السياسية .  لكن العولمة كما تبدو ألآن ليست عولمة بهذا المعنى ، وانما هي تكريس للسيادة الغربية تحت مظلة جديدة . لذلك فأن العولمة التى يريدها الغرب تحمل فى طياتها الكثير من الشرور لبقية شعوب العالم وفى مقدمتهم العرب أصحاب الحضارة العريقــة  والثقافــة الغنيـــة .
 
من المفيد تتبع جميع الشرور ورصدها وبيان مضارها، لكن الفسحة المخصصة لهذه الورقة لا تسمح  بالتوسع لذلك سيقتصر النقاش حول ما من شأنه أن يهدد تماسك الهوية الثقافية .
 
       لكل مجتمع ثقافة تحدد الهوية العامة لأبنائه كما تتحكم فى ملامح الشخصية الوطنية . وبمعنى آخر تحدد أهم الصفات التى تميز أبناء مجتمع أو عدد من المجتمعات . قد تكون بعض هذه الصفات عامة يشترك فيها أبناء مجتمعات كثيرة ولكن بعض هذه الصفات خاصة فقط بالمنتمين لثقافة بعينها . وهذا الجانب الخاص هو المهم لأنه يميز بين الشعوب ويوضح درجة أصالة ثقافاتها . لقد تعودنا ولسنوات عديدة سماع عبارات مثل المعجزة الأسوة والنمور الأسيوية والنمور الخمسة أو السبعة الخ.. وتشير هذه التعبيرات للنهضة التكنولوجية وللتقدم ألأقتصادى الذي حدث فى مجموعة من البلدان الأسيوية . جمعت بعض بلدان جنوب
أسيا أسلوب عمل اليابانيين وتقانة الغرب وأصبحت خلال مدة قصيرة بلدان مصدرة لآخر منتجات التقانة الدولية . ضمت المجموعة فى البداية تايوان  وهونج كونج وكوريا الجنوبية وسنغافورة وتايلاند ثم  لحقت فيما بعد أندونيسيا وماليزيا. كسبت أعضاء هذه المجموعة صفة النمور بعدما حافظت على معدل نمو اقتصادي سنوى عالي جدا بلغ 20 %  فى بعض الحالات.  ثم جاء العام 1997 وما كاد  يتناصف حتى عرفت هذه المنطقة ذات النمو الاقتصادي السريع انهيارات اقتصادية سريعة تدهورت فيها عملات عدد من هذه البلدان وخصوصا كوريا الجنوبية وماليزيا  أندونيسيا وتايلاند .ففي أندونيسيا مثلا بعد أن كان الدولار الواحد  يساوى 2400 لكل روبية فى منتصف العام 1997 الى كل دولار يساوى 11200 روبية فى بداية عام ‏1998‏. أعلنت آلاف المؤسسات الاقتصادية من مصارف وشركات ضخمة إفلاسها ووجد آلاف العاملين بدون عمل وتبخرت مدخرات الملايين خلال فترة لا تزيد عن الستة شهور(Newsweek, 19 / 1 / 1998 : 32 – 39).  وما أن بدأ العام ‏1998‏ حتى وصفت بعض هذه البلدان بنمور من ورق بل وحتى  بالأرانب. فهل ما حدث  فى حالة الأولى حالة النجاح وفى الحالة الثانية حالة المشكلة له علاقة بالهوية الثقافية لمجموعة هذه البلدان ؟ وما علاقة كل هذا بالعولمة؟
 
       لا شك أن الخصائص الثقافية التى تجمع ما بين أبناء هذه الأقطار لعبت دورا هاما فى النجاح الذي تحقق . لكن ، ومن جهة أخرى يمكن النظر للكارثة التى تعانى منها ألآن  بعض ما يسمى بالنمور أو الأرانب  كمثال حي للنتائج السلبية للعولمة . لقد صدق المسئولون فيها الوعود المعسولة التى تصاحب الدعوة للانفتاح  والأخذ بأسباب  العولمة .لقد فتحت هذه البلدان الباب على مصراعيه لتتدفق رؤوس الأموال الأجنبية على شكل قروض طويلة الأمد وقصيرة الأمد ، ولدخول المغامرين الأجانب الباحثين عن الربح السريع الذين ضاربوا  فى الأسواق المالية وفى العملات. توسعت هذه البلدان فى الإنشاءات  بمختلف مجالاتها وبما يفوق الطاقات المحلية . أقبل السكان على الاستهلاك وبعنف ولطبيعة التسهيلات الائتمانية لم ينتظر المواطنون حتى يوفروا ثمن ما يستهلكون فاقترضوا لشراء كل شئ من المسكن الى السيارة الى الهاتف الى الاشتراك فى النوادي الخاصة  والتمتع بالإجازات فى أفضل أماكن قضاء وقت الفراغ . وعندما حدثت المشكلة وتبخر الحلم تحول
 
الناس الى بيع كل شئ بما فى ذلك الهاتف،  ولم يجد البعض أمامه سوى الانتحار للهروب من شدة الضغوط النفسية . وتفيد البيانات أن معدلات الانتحار  فى تايلاند تضاعفت فى العام 1997 عما كانت عليه فى العام الذي سبقه وأن 12 شخصا ينتحرون يوميا كما أفاد 17% من الذين استفتوا بأنهم يفكرون فى الانتحار( Newsweek,19/1/ 1998 : 37 ).
 
         أصبحت العولمة حقيقة على أرض الواقع ، كما أصبح من غير الممكن  أن يتخذ مواطنو أى بلد قرارا بمقاطعتها. كما أن الأسوار التى كانت تحتمي ورائها الدولة ويمكن تدعيمها كلما هجمتها عوائد الزمن أو تعليتها من حين الى آخر قد انهارت وأصبحت أنقاضا.      كما تراجع دور الدولة القوية الغازية والمستعمرة والفارضة بقوة السلاح متوجاتها الصناعية والفكرية . وحل محل  هذا النوع من الدول الشركات الكبرى التى يطلق عليها متعددة وأحيانا متعدية الجنسيات. كما تشارك بدور هيئات ومؤسسات ذات صفات دولية . ويذكر الجميع  شروط البنك الدولي التى يمليها على حكومات البلدان التى تطلب دعما أو قرضا أو ترجو المساعدة فى جدولة الديون . وهى شروط تبدأ بما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية وتنهى بالتدخل فى نظام الحكم بفرض التعددية واقامة الانتخابات تحت أشراف  الى فليس أمام مجتمعات الوقت الحاضر خيارات يمكن المفاضلة بينها . فآثار العولمة لا يمكن تفاديها بأي حال من الأحوال . وكما يقول المثل الإنجليــزي إذا لم تستطع التغلب عليهم انضم إليهم.  لكن الفيصل فى كيفية السير فى المسيرة.   فهنالك سير المهزوم والذي لا حول ولا قوة له يسير فى مطأطئ الرأس  فى المؤخرة . وهناك الذي يعتبر نفسه ندا ويسر مروع الرأس وفى الصفوف الأمامية . فالقرار العقلاني الذي يمكن أن يتخذ هو الانضمام الى المسيرة  بهدوء وبتأن وباعتزاز. فبريق النمو ألأقتصادى السريع الذي تهافتت عليه بلدان جنوب شرق آسيا والذي فتح شهية اقتصاديي بلدان أخرى بما فيهم العرب وراحوا يروجون له . لكن ورغم شدة وطأة ما حدث بالنسبة لملايين الناس من البشر فان كارثة بلدان جنوب شرق آسيا تقدم دليلا ماديا على شدة وطأة الجوانب السلبية للعولمة .
 
   لقد تخصص كثيرون فى بيان فوائد العولمة وابرازها وتلميعها وخصوصا ما يتعلق بنشر الديموقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة  والتقدم التكنولوجي والعلمانية والتقدم العلمى. إلا أن التعرض  لهذه  بالتفصيل يقع خارج نطاق الورقة الحالية. كما أن التفصيل فى الجوانب السلبية للعولمة هو الآخر خارج نطاق هذه الورقة. والذي يهمنا فى المكان الأول هو إلقاء الضوء على طبيعة التهديدات التى تشكلها العولمة على الهوية العربية الثقافية ، وثانيا ما هو الدور الملقى على التعليم العالي للمحافظة على الهوية الثقافية العربية فى ظل العولمة .
 
       إن حالات الاغتراب والاستلاب الثقافي موجودة فى الوطن العربى حتى قبل ظهور العولمة على المسرح السياسي الدولي. كما أن المجتمع العربى  وخصوصا أجزاءه المصدرة للنفط دخل الى دائرة الاستهلاك من بابها الواسع . فقبل خمسون عاما مثلا كانت نسبة العرب الذين لهم علاقة بما ينتجه الآخرون من سلع أو من أفكار متواضعة جدا ، أما اليوم
 
فان منتجات التكنولوجيا لم تترك حجرة فى بيت عربي إلا ودخلته. ولم يعد التأثر بالآخر البعيد مقتصرا على الأغنياء وعلى المتعلمين . اليوم يتساوى العرب كبيرهم وصغيرهم رجالهم ونسائهم فقيرهم وغنيهم والأمي منهم والحاصل على أعلى مراتب المعرفة يتساوون جميعا أمام ظاهرة التأثر بالآخر مهما بعد جغرافيا.  وعرف العرب جميع أنواع الاستهلاك بما فى ذلك ما يمكن أن يطلق عليه الاستهلاك الترفى وذلك الذي يمكن أن يصنف بألأستهلاك التافه. فالعرب الذين توفرت لهم الإمكانات المالية تفننوا فى سلوكهم ألأستهلاكى حتى بزوا غيرهم من حيث الرغبة فى تكديس المواد الاستهلاكية وفى التبذير وفى التفنن فى شراء أشياء غير مفيدة أو أدخلت عليها زيادات للرفع من سعرها دون أن ترفع من مستوى أدائها. إن أكثر السلع الاستهلاكية التى يقبل العرب عليها تصنع فى خارج الوطن العربى . ومع أن الكثير منها أصبح من مقومات الحياة العصرية أومن ضروريات حياة العصر إلا أنها  ليست متجردة من صفات قيميه. فهي مصنوعات جامدة ولكنها تحمل معها قيم الحضارة التى تنتمي إليها. فالسيارة ضرورية كوسيلة مواصلات والحديث عن استبدالها بالحصان فى القرن الواحد والعشرين قد يكون من باب حديث المخرفين. لكن السيارة تحمل معها أشياء أخرى كثيرة قد لا تكون مرئية. أشياء تتصل بالقيم . فمثلا الانتشار الواسع للسيارة لابد وأن يحمل معه تغيرا فى العلاقة ما بين الجنسين. وسواء قبل أولياء الأمور أو لم يقبلوا فالسيارة  تساهم فى إدخال علاقات جديدة بين الجنسين والكثير منها لا تقره قيم الثقافة العربية التقليدية . وما قلناه عن السيارة يقال عن المئات بل والآلاف من منتجات التقانة الحديثة من الهاتف وآلة التصوير الى آخر تطورات الحاسوب. لا بل أن مقدار القيم التى تحملها بعض منتجات التقانة هي أكثر بكثير من تلك المتصلة بالسيارة ودرجة اختلافها مع القيم العربية أكثر تطرفا مثل الكثير من برامج الترفيه بواسطة وسائل الأنصال المرئية الحاسوب. العولمة ستزيد من معدلات جميع هذه  السلبيات إذا ظل الوطن العربى يقوم بدور المستقبل ولا يساهم بنصيب فى التطوير والتوطين وخصوصا إذا اتبع العرب سياسة الباب المفتوح على مصراعيه. ولعل ما حدث لبعض النمور يقدم درسا لمن أراد أن يتعص. 
 
    أصبحت العولمة  أمرا واقعيا وعلى الجميع التعامل معها كوضع جاء ليبقى . وفى العولمة فوائد كثيرة وخير كثير . وجدت مثل هذه التعبيرات طريقها الى الأعلام فى كل مكان على سطح الأرض. ولا نريد هنا أن نختلف مع ما تعنيه هذه التعبيرات ومثيلاتها. لكننا نقول  أن الرأي القائل بوجود طريق واحد للوصول الى الهدف قول يجانبه الصواب . العولمة التى يكثر الحديث عنها اليوم عولمة ذات وجه غربي أو وجه غير عربي . بل أن الكيان الصهيوني على تواضع مكانته يريد أن يفرض على جيرانه عولمة بوجه صهيوني ونعنى هنا الدعوة الى الشرق أوسطية. فعلى الرغم من أن التسمية ليست جديدة إلا أنها اكتسبت خلال التسعينات معاني جديدة عندما ربطت بمشاريع التسوية فى الصراع العربى الصهيوني . وهى تسوية تجمع بين بعض أطراف الوطن العربى والكيان الصهيوني واستثناء أجزاء من الوطن العربى . وعلى جميع العرب أن يلقوا بتاريخهم الطويل وراءهم وينسوا هويتهم لأنها صارت قديمة وبالية ليقبلوا بهوية جديدة تتمشى وروح العصر ويصبحوا شرق أوسطيين . بالإمكان نظريا على الأقل تطوير أشكال وأساليب متعددة  للتعامل مع العولمة وألأستفادة منها قدر الإمكان . وإذا اختار شعب  من الشعوب أن يكون
 
متميزا فى تعامله معها فلا بد من تبنى سياسة واستراتيجية. والتعليم وخصوصا العالي منه هو الوسيلة التى يتم عن طريقها تنفيذ السياسة . ولكي يقوم التعليم العالي بهذه المهمة على الوجه المطلوب لابد أولا من وضع فلسفة واضحة المعالم ومحددة الأهداف. فلسفة تعكس خصائص الثقافة العربية وطموحات العرب، تحدد الأهداف بوضوح كما تحدد الطرق والوسائل التى يجب التقيد بها للوصول الى الأهداف. فلسفة تؤكد على قيمة العمل الجاد وألأجتهاد وحب التنافس والوصول الى الأهداف بالطرق الشرعية. فلسفة تعمل على تهيئة فرد يتفانى فى خدمة  وطنه وقضيته، فرد يشغف بالتسلح بالعلم ويوظف النهج العلمى للتعامل مع المشكلات اليومية . فرد يفاخر بتاريخ أمته وحضارتها ويعتز بلغتها ويصر على استعمالها فى كل مجال وفى كل محفل ويفرضها على الآخرين بقدر ما يفرض الآخرون عليه لغاتهم.
 
        لا يزيد ما اقترحناه هنا عن ملامح  عامة لما يمكن النظر إليه كبرنامج عمل يخضع للتغيير والتطوير. وهو  عبارة عن  خطوة واحدة فى مسيرة الألف خطوة لتحصين المجتمع العربى، وليكون العرب ضمن المشاركين النشطين فى اللعبة بدل الجلوس على مقاعد المتفرجين.  وأن يعملوا بجد لوضع بصمتهم  الى جانب بصمات الآخرين على وجه العولمة وأن يكون لهم نصيب من الفوائد يليق بمكانتهم وبتاريخهم يضمن لهم شغل مكانة مرموقة بين الأمم بدلا من البقاء  كما مهمل على هامش التاريخ.
 
 
 
 
ثبت المصادر
 
التير، مصطفى عمر، " الثقافة العربية والغزو الثقافي: صراع وجود "  مجلة شؤون عربية، العدد 85، 1996.
التير ، مصطفى عمر ، مسيـــرة تحديث المجتمع الليبي : مواءمة بين القديم والجديد ،
بيروت : معهد ألأنماء العربى ، 1992 .
الجبالى ، عبد الفتاح ، "العرب ومنظمة التجارة العالمية" ، ندوة النظام ألأقتصادى العالمي  
والتنميــة  العربيـــة ، بنغازي ، 1996 .
 حتى ، ناصيف ، " العرب وثورة التناقضات فى المفاهيـــم القوميــــة وألأقليميـــة والعالمية " ،  المستقبل العربي  ، العدد 200 ، 1995.
عبد الدائم ، عبد الله ، " العرب والعالم بين صدام الثقافات وحوار الثقافات " ، المستقبـل   العربي ، العدد 203 ، 1996 .
عبد الله ، إسماعيل صبري ، " الكوكبة : ألأطار العام لأي نظام عالمي جديد " ندوة النظام 
ألأقتصادى العالمي والتنميــة  العربيــة ، بنغازي ، 1996 .
فرجاني ، نادر، سعيا وراء الرزق : دراسة ميدانيــــة عن هجرة المصرييــــن للعمل في الأقطار العربيــة ، بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1988 .
القاسم ، صبحي " اقتصاديات التعليم العالي العربى " ، فى كتاب التعليم العالي فى البلدان العربية :  السياسة والآفاق، تحرير فاتن خليل ألبستاني، عمان : منشورات منتدى الفكر العربى، 1997.
هيكل ، محمد حسنين ، " العرب على أعتاب القرن ال 21 " ، المستقبل العربى ، العدد 190، 1994 .
ولعلو، فتح الله ، "العولمة والتنمية العربية " ، ندوة النظام ألأقتصادى العالمي والتنميــــة 
العربيـــــة ، بنغازي ، 1996 .
 
Inkeles, Alex, “ Convergence and Divergence in Industrial Soci, Mustafa   Omar,et al, (ed.),Directions of Change: Modernization Theory, Re eties” in At tirsearch, and               Realities, Boulder: Westview Press, 1981.                            
[ltr]Newsweek, 19 January 1998.                                                                          [/ltr]
 
 
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
آراء حول المحافظـة علـى الهويـة الثقافيـة العربية في ظل العولمـة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: ******** لسا نـــــــــــــــــــــــس ******** :: السنة الثالثة علوم سياسية ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات ) :: عـــــــــام-
انتقل الى:  
1