منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مذكرة بناء السلم في مالي - الفرص و التحديات -
من طرف salim 1979 السبت يونيو 09, 2018 12:31 am

» تفاءل يا أخ الأحزان، فإن النصر في الصبر
من طرف ahlm22 السبت مايو 26, 2018 5:09 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2017
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:58 pm

» التنافس الدولي على الموارد الطبيعية في افريقيا بعد الحرب العالمية الثانية
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:57 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2018
من طرف salim 1979 الجمعة مايو 25, 2018 7:03 pm

» الحرب وضد الحرب
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:51 pm

» التحول والانتقال الديمقراطي: النسق المفاهيمى
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:46 pm

» تحميل الثقافة العالمية العدد 177
من طرف salim 1979 الخميس أبريل 12, 2018 3:53 pm

» أعداد مجلة المعرفة السورية
من طرف salim 1979 الإثنين أبريل 02, 2018 9:23 pm

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ

شاطر | 
 

 التحولات الكبرى في المنطقة العربية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5137
نقاط : 100011845
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: التحولات الكبرى في المنطقة العربية    الخميس فبراير 28, 2013 4:52 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

حوار مركز نماء للبحوث والدراسات في الرباط مع فضيلة الدكتور فتحي حسن ملكاوي

أجرى الحوار الدكتور رشيد الجرموني وذلك يوم الخميس 24/5/2012م

* مع الثورات، دخلت المنطقة العربية في مسار من التحولات الكبرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل إن رياح هذه التحولات مست حتى الجانب المعرفي والعلمي، إلى درجة أن بعض المتخصصين في العلوم الاجتماعية تحدثوا عن صدمة في محاولة تفسيرهم للأحداث. في تقديركم ما هي أبرز التحولات التي طرأت على الفكر الإسلامي بعد الثورات وبعد وصول الأسلاميين أو اقترابهم من الوصول إلى السلطة؟

لا أدري هل التحولات التي تقصدونها في سؤالكم، قد حدثت بالفعل أم أنّ المنطقة العربية لا زالت في طريقها إلى التحول. فالحقبة الزمنية التي مرت حتى الآن منذ انطلاقة الثورات العربية حقبة قصيرة، قرابة سنة وبضعة شهور، والتغير في الفكر لا يتم بسرعة تتوافق مع سرعة وقوع الأحداث، فأنا لست متأكدا من أن ثمة تحولات حصلت في الفكر الإسلامي، لكن يمكن القول بأنه قد برزت أولويات تشير إلى ضرورة الاهتمام بقضايا فكرية أكثر من غيرها. لقد برزت حالات تستدعي إعطاء أولوية لأنماط من التفكير أكثر مما كان يتاح لها، أو صارت أكثر راهنية مما كانت عليه في المرحلة السابقة.

وعلى العموم، لا ألمح تحولاً بارزاً يمكن الإشارة إليه، ومع ذلك فإنه يمكن القول، بأنَّ قدراً من الوعي على قضايا محددة في التفكير الإسلامي قد أخذ بالظهور. مع تزايد الاحتمالات في أن يدخل الإسلاميون، مرحلة إدارة الشأن العام، وتدبير قضايا السلطة والحكم. والإسلاميون الذين أخذوا مواقع في السلطة يشعرون بأنّ تغيراً فكرياً لا بد أن يحصل، وأنّ حتمية هذا التغيّر مرتبطة بالانتقال من موقع الدعوة إلى موقع الدولة، أو مرتبطة بتغير موقع الحركات والأحزاب الإسلامية من دور المعارضة إلى السلطة، أو مرتبطة بحصول تحول من واقع التهميش والإقصاء في الإعلام والوظائف إلى تحمل المسؤوليات... هذا التغير لا بد من أن يحصل، وما من شك في أنه قد بدأ يحصل، لكن مظاهره لم تأخذ تمثلاتها العملية بعد، لتصبح هدفاً للملاحظة والدراسة، على المستوي الفكري والمنهجي، رغم طوفان المماحكات الإعلامية التي تبحث عن مظاهر العجز دون غيرها. ما حدث في المغرب حتى الآن يصلح أن يكون منطلقاً لتتبع اتجاهات التغير والتطور، لكن تتبع ما يحدث حتى الآن في البلدان الأخرى أكثر صعوبة، حيث لا يزال مخاض التغيرات لم يأذن بالاستقرار بعد.

وتقدير ما حدث وما يمكن أن يحدث من تغير في أنماط التفكير وفي الصياغات الفكرية المنشودة يختلف وفق المكان الذي ينظر منه الناظر، فالناظر من خارج دائرة الإسلاميين يجزم بأن الواقع الجديد الذي ينتظره الإسلاميون أو ينتظر الإسلاميين، سيفرض عليهم تغييراً لا محالة في منهجية التفكير في القضايا المطروحة، والتحرر من قيود النمطية التي سادت في السابق، التي كانت تقيد حركة التغيير والتطوير. أما الذي ينظر من الداخل، فسوف يجد أنَّ أمر التغيير ليس سهلاً، لأنَّه يطال قناعات فكرية متجذِّرة، ومقولات عزيزة على النفس، استقرَّت لفترات زمنية متطاولة، وأصبحت الهوية المميزة لأفراد وحركات وتنظيمات، يخشى أن يؤدي التغيير فيها إلى فقدان المصداقية والمرجعية.

* هل يمكن أن نذكر مثالاً توضيحياً على قضية فكرية حدث في التغيير أو يلزم أن يحدث؟

يمكن أن نذكر أمثلة تتصل بالبنية التنظيمية للحركات الإسلامية والتأطير السياسي العملي لها، وطبيعة الخطاب الإسلامي. مثلاً لا خلاف على ضرورة الانتقال من خطاب الدعوة إلى خطاب الدولة. لكن هذا الشعار العام، يتضمن تفاصيل لا تتيسر متطلباتها فور الإحساس بهذه الضرورة والاقتناع بها. فالتمييز بين خصائص الخطاب الدعوي التنظيري، وخصائص الخطاب السياسي التنفيذي قضية فكرية تحتاج عناصرها بعض الوقت حتى تنضج الآراء فيها، ويحصل قدر من التوافق حولها، وتتراكم الخبرة والتجربة في ممارساتها.

بعض الحركات الإسلامية مثل حركة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة النهضة في تونس، ليست أحزاباً سياسية بالمعنى الدقيق، إن الانتقال في البنية التنظيمية من حركة إسلامية شاملة إلى حزب سياسي يشتغل بأدوات الأحزاب السياسية المعروفة ضمن القوانين والأعراف الرسمية، أو بقاء البنية التنظيمية للحركة مع بنية تنظيميه جديدة أخرى للحزب جنباً إلى جنب، مع ما يحصل من تداخل في المرجعيات؛ هذا الانتقال يمثل تحدِّياً نفسياً وإدارياً وقانونياً. والتأطير الفكري لعملية التحول وتعديل الأوضاع لا بد أن يرافقه تطوير أفكار جديدة في السياسات الداخلية والعلاقات التنظيمية وعمليات اتخاذ القرار، وسوف تمر عملية التحول بكثير من تنازع الصلاحيات وتعدد الاجتهادات، قبل أن تستقر الأمور على ما تفرضه متطلبات الواقع العملي الذي لا تحدده الحركات والأحزاب وحدها، وإنما يشارك في تحديده التشريعات والقوانين النافذة من جهة، وضغوط الجماعات السياسية والتيارات الفكرية الأخرى في المجتمع من جهة أخرى.

إنَّ التغيير في بنية التنظيمات والحركات الإسلامية يقتضي بالضرورة تغيراً في ألوان الخطاب السياسي الذي تقدمه هذه التنظيمات، إضافة إلى التسويغ اللازم لهذا التغيير. وللاقتراب من الألوان الجديدة للخطاب التي تفرضه الوقائع من الخارج على هذه التنظيمات، وتقتضيه توقعاتهم وخططهم لأنفسهم من الداخل، ربما يتطلب حواراً داخلياً وخارجياً، تشارك في تنظيمه إدارات ومؤسسات، وتقام له ندوات ومؤتمرات، وحلقات بحث، لتوليد الأفكار والاجتهاد في صياغتها، والموازنة بين البدائل والاختيارات. وكل ذلك يقتضي تحولاً في موقع القيادات الفكرية التقليدية، التي يكون فيها الاعتداد بالعلم الشرعي، والبعد الفقهي، والسبق التنظيمي، والتاريخ النضالي، وقوة الشخصية، باتجاه تقاليد جديدة تضيف إلى كل ذلك طرقاً أخرى في توظيف الخبرات، واتخاذ القرارات، والموازنة بين الأولويات.

ولنضرب مثلاً آخر على التغيير المتوقع في الخطاب الإسلامي.

يردد العاملون في الحقل السياسي مقولة: "لا تخاطبني بالمقدس أو بالنصوص، الذي بينى وبينك خاطبني بشأنه ببرامج سياسية، أما الذي بينك وبين الله فهو لك." وكثيراً ما تستخدم الفئات العلمانية هذه المقولة بطريقة استفزازية، تنتهي بصور من المنازعة تجعل الأطراف المتنازعة لا ترى إلا ما تريد رؤيته، فمع أن الإسلاميين يمكن أن يقدموا فعلاً برامج سياسية عملية، لكن لغة الخطاب وما قد يصاحبها من ظلال دينية هي ما يكون موضع النظر، ومن ثم الاعتراض عند العلمانيين. وكذلك يفعل الإسلاميون عندما ينظرون إلى برامج غيرهم، ويلاحظون أن مرجعية البرنامج خبرات أجنبية، أو شخصيات ليس موضع ثقة بحكم تاريخها في العهود السابقة. وموطن الملاحظة في هذا المقام هي الثقة المفقودة بين الطرفين، التي كان يغذيها البعد والجفاء وتجارب الإقصاء بينهما. ورغم متطلبات التعاون والعمل المشترك الذي لا يُحتمل فيه تفرد طرف في الشأن العام وإقصاء الطرف الآخر، فإنَّ هواجس سوء الظن، سوف تبقى تفعل فعلها، إلى أن تتراكم خبرات التقارب والتعاون والعمل المشترك، بصورة تؤدي إلى بناء جسور الثقة الكافية للتوقف من الشعور بالحساسية من المفردات الدينية عند العلمانيين، والتوقف من الشعور بالتوجس من توظيف خبرة الخبراء وكفاءاتهم فيما يخدم المصلحة العامة، عند الإسلاميين.

لقد ألِف الإسلاميون أن تكون مقولاتهم وبرامجهم مستمدة من منطلقات عقائدية ومرجعيات إيمانية، ولذلك تأتي هذه المقولات والبرامج، حتى لو كانت سياسية بحته، محملة بلون من الخطاب الديني المشحون بالقطع واليقين. وألِفوا كذلك أن تأتي برامج الفئات الأخرى بصورة "وضعية، وجافة" تقوم على الحساب والإحصاء والاحتمال. ومع أن التحول بدأ بالفعل، لكننا لم نلمسه بعد، لأن مجموع الخطابات التي نسمعها الآن لا تزال مثقلة ببنية الخطاب الديني بالمعنى الداخلي الدعوي الوعظي المبني على آمال وتطلعات. في الواقع ما نراه اليوم من خلال تتبع مجموع الخطابات، يؤشر على أن هناك رغبة في التغيير وليس بناء خطة التغيير وتحويل خططه إلى برامج، وبطبيعة الحال فإن الإسلاميين في البلدان المختلفة ليسوا كلهم سواء في هذه المسألة، وإنما يتفاوت الأمر عندهم من بلد إلى آخر، وفق التحديات التي تواجههم والخبرات التي يواجهون بها هذه التحديات.

ولذلك، فالحاجة اليوم أصبحت ماسة إلى إنشاء مؤسسات تضطلع بدور تطوير الخطاب السياسي مثل الأحزاب السياسية التي تؤسس على قوانين وضعية يشترك فيها الإسلاميون مع غيرهم، بينما في الدعوة، بينما كان الإسلاميون في مرحلة الدعوة يستمدون مبادئهم من منطلقاتهم العقدية ومرجعيتهم المطلقة.

- فيما يتعلق بلون الخطاب السياسي، جرت عادة الأحزاب المعارضة أن تكشف عورات وسوءات الحزب الحاكم، لكن من المؤكد أن هذه الأحزاب المعارضة عندما تصل إلى الحكومة سيكشف غيرُها عوراتِها. ثم إنها في المعارضة سائلة غير مسؤولة، بينما هي في السلطة مسؤولة أما القوى والأحزاب الأخرى، ومسؤولة كذلك أمام الشعب، يحاسبها بكافة أطيافه: الفقراء قبل الأغنياء وعامة الناس قبل خاصتهم. وهذا التبدل من موقف المعارضة إلى موقف المسؤولية يتطلب تغييرات ليست قليلة في لهجة الخطاب، وفي موضوعات الخطاب، وفي مناهج التعامل مع الرأي الآخر، والقوى الأخرى التي ربما تكون في موقع المعارضة لها، والتحدي لبرامجها، والزخم الإعلامي المعارض الذي يبحث عن جوانب الخلل والقصور في الأداء ويقوم بتضخيمها.

- لقد شكلت ممارسات الظلم والفساد والاستبداد التي عاشتها معظم الدول، عوامل ضغط ثقيلة الوطء على نفوس الناس عامة والإسلاميين خاصة، جعلتهم ينظرون باليأس من احتمالات التغيير في المستقبل وصعوبة توفير إمكاناته، فهم لا يتوقعون أن يقوم الأشخاص الفاسدون بأي تغيير نحو الأفضل، ولا يتخيلون كيف سينتهي عهد الفساد والاستبداد، أو كيف يصل الصالحون إلى مواقع السلطة والتمكين. بعد انتهاء هذه المرحلة، والدخول في مرحلة جديدة، لعل من ألزم اللوازم التخلص من آثار الروح المتشائمة التي كانت تعتمل في خطاب الحركة الإسلامية، وتطوير روح متفائلة، تزرع الأمل، فهي لا تستطيع إقناع الناس بتوجهاتها وبرامجها إن لم يكن لديها هذا الشعور بالتفاؤل والأمل.

ونظراً لسيادة تلك الروح المتشائمة، واليأس من إمكانية إصلاح الواقع الخارجي، فقد امتلأ الخطاب الإسلامي في تلك المرحلة بالتركيز على أضعف الإيمان، أن تنكر المنكر بقلبك، وتكره ظروفه وأوضاعه وقوانينه، حتى لو اضطررت إلى تنفيذها مكرها، ومن ثم يأتي الوعظ بضرورة القيام بما نقدر عليه، وهو إصلاح النفوس وتغيير دواخلها، ومن أجل ذلك تحشد الشواهد من نصوص القرآن والحديث لتسويغ هذا اللون من الخطاب، فالله سبحانه لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وعليكم أنفسكم، لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم. وربما يتجاهل من يستشهدون بهذه النصوص التصويب الذي قدمه أبو بكر الصديق رضي الله عنه في فهمها.

وكما نعلم، فإن غالبية أفراد المجتمعات العربية، كانت مقصاة من الحياة السياسية، ومن المشاركة في العملية الديمقراطية. الآن تغير الأمر، فالجماهير هي التي غيرت الأمور، ورغم أن غالبية هذه الجماهير غير مؤطرة في تنظيمات تقود حركتها، فإنها أصبحت في الظروف الجديدة قادرة على الحركة ورفع الصوت بالاحتجاج، وستجد من أجهزة الإعلام من ينفخ في مطالبها واجتجاجاتها، ولذلك سيكون على القيادات الجديدة أياً كانت هذه القيادات أن تطوراً خطاباً يقنع هذه الجماهير، والخطاب المطلوب هو البرامج التي يمكن أن تلمس الجماهير أثرها المباشر. ولا شك في قيمة برامج التوجيه والتوعية والإعلام التي تولد قدراً من الحشد والزخم للأوضاع الجديدة، لكن ذلك لا قيمة له إذا لم تطرح برامج تنموية واقتصادية تتولى تحسين الأوضاع المعيشية للناس، فهذا في الأساس ما تنتظره شرائح شعبية واسعة عانت طويلاً من البطالة والتهميش والفقر.

* هل يمكن الحديث عن تشابه التجارب الإسلامية في الدول العربية؟ أم أن الاختلاف والتباين هو السمة الغالبة؟

في تقديري، أنَّ التشابه في التجارب سيكون قليلا، والسبب في ذلك أنَّ كل فئة من فئات الإسلاميين ستكون متأثرة بسياقاتها وظروفها المحلية، وبالتحديد بما كان من هذه الظروف وليس بما يجب أن يكون. فمثلا، هناك فرق كبير بين تونس ومصر: فالحركة الإسلامية في تونس كانت مقصاة نهائيا عن الحضور في الشارع، وقياداتها كانت منفية في الخارج، أما في الداخل، فالأمر كان جد صعب بالنسبة لأبناء هذه الحركات.

في مصر، كان الإسلاميون في الشارع، وقياداتهم كانت معروفة، هذا لا يعني أنهم لم يكونوا محاربين ومقصيين من الإعلام والوظائف وغيرها من المرافق العامة للدولة، لكن رغم كل ذلك، فإن الحركة الإسلامية كانت حاضرة في المجتمع ومؤثرة وفاعلة بقوة، رغم أن النظام رتب أنظمته وطبقها بصورة بلغت الحد الأقصى من الظلم، محاولاً إبقاءها في الهامش، والحد من حضورها وفعاليتها، لإلغاء أثرها في الواقع. إلا أنه رغم كل هذا التضييق والخناق، فإن الحركة الإسلامية كانت لها خدمات، والناس تشعر بها، لذلك فلا غرابة في أن يكون لها قدر من التأييد الشعبي ليس بقدر ما ناضلت وضحت ونالت من العناء وحسب، وإنما بقدر ما كانت تقدم للناس من الخدمات.

أما في المغرب، فالحركة الإسلامية، كانت موجودة، ولها دعوة وحركة وحزب سياسي، ولها حضور في الشارع، ولها مؤسساتها القائمة، ولها خدماتها ولها أطرها وكوادرها، لكن طبيعة النظام السياسي وتشريعاته لم يكن يعطيها الفرصة لتجريب برامجها. والظروف الجديدة في المنطقة قادت إلى إصلاحات في التشريعات بدأها النظام بنفسه بإجراء تعديلات دستورية أعطت وزناً أكبر لحرية الاختيار عند الجمهور، فاستفادت منها الحركة الإسلامية وأتيحت لها فرصة لتطوير برامجها ووضعها موضع التنفيذ. عادة في الأنظمة الملكية، يحرص رأس النظام على الاستقرار، ولا يغامر باستقرار المجتمع، بل تكون له إرادة لإعطاء الحرية للناس ما دام الجميع له رغبة في الإصلاح بصورة لا تهدد النظام. حرصه على الاستقرار قد يدفعه أحيانا للتضحية حتى ببعض امتيازاته، وهذا الذي حصل في المغرب، وحصل جزء قريب منه في الأردن.

ما يمكن أن نخلص إليه، هو أن هذه التجارب ستكون مفيدة للباحثين والمفكرين حتى يستخلصوا منها نماذج للتفكير، ربما تكون تجربة تونس، حينما قررت حركة النهضة اقتسام السلطة والمشاركة مع القوى الأخرى. وقد عدت هذه الخطوة عند كثير من المحللين تعبيراً عن قدر من النضج والحنكة السياسية التي تتميز به هذه الحركة.

وكان يتوقع أن تكون اجتهاد الحركة الإسلامية في مصر مشابهاً، وقد كانت خطواتها في البداية تؤشر على هذا الاتجاه، لكن طبيعة الظروف، ونوعية التحديات، وحجم النظام السابق وتغلله في جميع مستويات السلطة والإدارة المركزية والمحلية، وبقاء معظم عناصره في السلطة رغم تغيير رأس النظام جعل الحركة الإسلامية تتخذ مساراً مختلفاً، تجتهد فيه لتعزيز استمرار وهج الثورة ومواصلة جهود الإصلاح، حتى لا ترتد القوى التي خسرت مواقعها إلى ثورة مضادة، تعيد إقصاء الحركة الإسلامية من جديد. وقد تعرضت الحركة الإسلامية في مصر نتيجة لذلك لحملات إعلامية مكثفة وشديدة العداوة، فضلاً عن تحالف معظم القوى التي تسمى بالعلمانية والليبرالية واليسارية، في مواجهة الحركة الإسلامية في صورة مظاهرات حاشدة واعتصامات ومصادمات، فضلاً عن عمليات التعويق والتعطيل التي قامت بها القيادات العسكرية والقضائية، ومعها في ذلك كثير من بقايا الحزب الحاكم السابق.

يمكن أن نخلص إلى أن تجارب الحركات الإسلامية التي تبلورت مع الربيع العربي، ستكون مختلفة بقدر اختلاف الوقائع التي صاحبت التغيير وطبيعة الحكم فيه وتركيبة القوى الأخرى في كل بلد.

* إلى أي حد يمكن أن نتحدث عن وجود فجوة بين التنظير الفكري الإسلامي الذي كان سائداً قبل الثورات وما تطلبه الخطاب الجديد لمواجهة التحديات التي فرضها واقع ما بعد الثورات؟

فرق كبير بين التنظير والتطبيق، صياغة الحلول في الواقع العملي بغرض ممارستها، وليس تصورها بمنطق الممكن أو المؤكد، تتطلب إحداث نقلة فكرية في أسلوب تعامل الحركات الاسلامية مع الوقائع. ففي السابق، أي في مرحلة الدعوة، كان هناك حديث عن القطعيات التي تشبه اليقين، كمقولة "الإسلام هو الحل" فهذه المقولة صحيحة عندهم، لكن دلالاتها العملية، غير واضحة، فهم يريدون أن يكون الإسلام هو الحل، ومعهم في ذلك كثير من الناس، لكن كيف ومتى وأين؟

الآن إذا وصلوا إلى الحكم بالفعل، نحن في الشارع، سنقول لهم: أرونا كيف يكون الإسلام هو الحل، أرونا كيف تنظف الشوارع، خصوصا إذا كانت الميزانية المالية للبلديات مدينة أو فارغة، أرونا كيف يمكن أن نحل مشكلة فقدان أنبوبة الغاز في الأسواق! أرونا كيف يمكن أن نحل مشكلة البطالة! أرونا كيف يمكن أن نحل مشكلة انخفاض الرواتب بالقياس إلى ارتفاع متطلبات الحياة اليومية! أرونا كيف نحل مشكلة البنوك الربوية! أرونا كيف يمكن أن نحل مشكلة العلاقة مع اليهود!

لقد كانت عبارة الإسلام هو الحل شعارا تحريضياً جميلاً، لا أقل ولا أكثر. أما اليوم فإن نريد برامج لحل المشكلات في المجال الاقتصادي، فهل يكفي القول بأن صندوق الزكاة وأموال الأوقاف وتجربة البنوك الإسلامية، هي البدائل الإسلامية في المجال الاقتصادي؟ وكلها بدائل لم تجرب عملياً على مستوى اقتصاد المجتمع والدولة. الاقتصاد العالمي اليوم اقتصاد رأسمالي يقوم أساساً على ملكية الأفراد والشركات، وتحصل التنمية فيه عن طريق القروض الاستثمارية والاستهلاكية، وكلها تقوم على احتساب نسبة الفائدة أو الربا، والربا في الحكم الشرعي حرام، على آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه، فما البديل؟ الاقتصاد الاشتراكي يقوم على ملكية الدولة، والأصل أن لا يكون في معاملاته ربا، لكن الاقتصاد الاشتراكي كان أحد الأسباب الأساسية في انهيار النظم الاشتراكية، فليست هي البديل المتاح لدينا. والاقتصاد الرأسمالي يئن من وطأة المشكلات المتلاحقة، وقد ذاقت الشعوب منه الأمرين، ولولا أن العالم لم يجد له بديلاً حتى الآن، لانهار من زمن طويل، فمتى تتمكن الحركات الإسلامية التي تواجه المشكلة الاقتصادية من تطوير الفكر الاقتصادي الإسلامي وتفعيل فلسفته ونظامه من أجل تقديم البدائل العملية وتجريبها فعلاً في الواقع الاجتماعي، ليس لتقنع الجماهير التي تحكمها بأن الإسلام هو الحل، وحسب، وإنما لتسهم في تقديم هذا الحل إلى الشعوب والأمم الأخرى، التي طالما رأت الشعوب الإسلامية عالة على إنجازات الشعوب والأمم الأخرى؟

ولهذا يمكن القول أن مرحلة القطعيات واليقينيات التي صاحبت مرحلة الدعوة، وجب أن تتحول إلى مبادرات وإلى حلول عملية مسنودة بخبرات علمية، والعمل على تطوير مختلف التجارب، ليس في المجال الاقتصادي وحسب، وإنما في المجال كلها. ففي المجال السياسي نحتاج إلى تطوير الأفكار النظرية التقليدية وتحويلها إلى برامج عملية، فأيهما أقرب إلى تحقيق مقاصد الدين في تنظيم الشأن السياسي، هل هو النظام الرئاسي الذي يحكم فيه الرئيس؟ أم النظام المختلط الذي يتقاسم فيه الرئيس السطلة مع رئيس الوزراء؟ وما الصلاحيات التي يمكن أن تعطى للرئيس ورئيس الوزراء؟ وما إشكال تدبير العلاقة بين هذه السلطات؟ ما دور المجالس التشريعية الحالية في النظام السياسي الحالي، وأين تقع السلطة القضائية؟

في الأردن مثلاً، هناك نظام ملكي وراثي، وهناك مجلس منتخب للنواب ومجلس آخر معين للأعيان. وفي مصر هناك نظام جمهوري رئاسي ومجلس شعب منتخب ومجلس شورى متخب أيضاً، ما الأساس الذي يقبل به الإسلاميون النظام الملكي في بلدان معينة ويقبلون بالنظام الجمهوري في بلدان أخرى؟ وهذه وغيرها، أسئلة عملية وليست تنظيرية.

لا يزال الخطاب الإسلامي السياسي مشبع بالتنظير والحديث عن المبادئ العامة؛ وحدة الأمة، والشورى، والعدالة ... إلخ، فوحدة الأمة في دلالتها الدينية غير وحدة الأمة بدلالتها السياسية القطرية، والشورى غير الديمقراطية، والممارسات الشورية أو الديمقراطية تنتهي بنتائج ملزمة أو معلمة أو مؤلمة! ويأتي مع الحديث عن العدالة والمساواة قضايا حقوق المواطنة، وموقع المرأة وموقع غير المسلمين في المجتمع... إلخ، وفي مسألة من هذه المسائل تفصيلات وجزئيات يدخل فيها شياطين الإنس من الداخل والخارج، للتشويه والتعويق والتعطيل والمواجهة. فالأمر إذن يقتضي جهداً مجهداً نستدرك فيه غياب الفكر الإسلامي عن ساحة الحكم زمناً طويلاً، ويقتضي الصبر والمصابرة على التعامل مع أصحاب الأفكار الأخرى، ويقتضي التعامل الحكيم مع القوى الدولية التي تعطي لنفسها حق التدخل لحماية الحريات والدفاع عن الأقليات، وتطبيق ما أنشأته المحافل الدولية من مقررات... كل ذلك مطلوب على المستوى العملي في المرحلة الحالية، ولا يكفي فيه تسجيل المواقف بالرفض أو الاعتراض. ربما يلزم اتخاذ بعض المواقف العملية الآن على المستوى المبدئي المترتبط بما يتوفر من خبرات تستند إلى التجارب "الديمقراطية" في الأنظمة المعاصرة، وقد تكون بعض المواقف مؤقتة مرحلية تمليها ظروف قائمة بانتظار ظروف أخرى، وقد يتطلب الأمر ابتداع أنماط جديدة من الممارسة السياسية، التي تختلف حولها الآراء كثيراً. وتتطلب إجراءات عملية في تدبير الاختلاف والمعارضة.

ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى فئة من الإسلاميين، ترفض الدخول في تحديد المواصفات التفصيلية للحلول الممكنة لمشكلات العصر. وتستبعد التبشير بحلول محددة يقوم بها الإسلاميون فيما لو وصلوا إلى الحكم. وقد تحدث المرحوم سيد قطب على هؤلاء الذين يضعون حلولاً إسلامية لمشكلات المجتمع غير الإسلامي الحالية، وسمّاهم "الأرأيتيين" الذين يقولون: أريت لو وصل الإسلاميون إلى الحكم، ثم يجيبون: إذن سيكون الحل هو كذا وكذا.. وقد نعى سيد قطب على هؤلاء بحجة أننا لا نريد وضع حلول إسلامية لمجتمعات غير إسلامية. بل نريد أن نقيم المجتمع الإسلامي، وسوف نحل المشكلات التي تطرأ في هذا المجتمع الذي نقيمه!

وقد كان لهذا اللون من التفكير أثره لدى قطاع من المفكرين والدعاة، وشعروا بأنهم غير معنيين بالتفكير في الأمور العملية لبناء الدولة، ومن ثمّ فهم يؤجلون بحث هذه القضايا إلى حين وصولهم إلى السلطة، وربما كان من أثر ذلك ضمور التفكير الاستراتيجي المستقبلي، وضعف البرامج العملية في مثل هذه القضايا. ولهذا، فالإسلاميون اليوم أمام امتحان، وربما يسرّع وضعهم الحالي من عملية الانتقال من التنظير إلى الممارسة.

وعلى كل حال فإن استجابات الاسلاميين في ربوع الوطن العربي لن تكون متشابهة، ستكون هناك اجتهادات مختلفة وهذا شيء لا بد منه، وهو على أي حال أمر جيد وإيجابي، وبالتأكيد ستكون هناك أخطاء في اجتراح الحلول والمقاربات والمواقف.

ليس أمام المفكرين في الحركات الإسلامية بديل غير أن يقطعوا مراحل طويلة في الانتقال من مسألة التنظير إلى بناء البدائل والحلول. ولا مانع من أن تتعدد التجارب، ومن المتوقع أن يكون هناك خطأ وصواب، لأن هذا ما سيحصل في الواقع، وتجربة الحكم في تونس لن تكون هي نفسها تجربة الحكم في المغرب أو في مصر وغيرها. وهذا التعدد في التجارب والتنوع في الممارسات هو نتيجة مباشرة لاختلاف البيئات المحلية وما تحمله من اختلاف في التحديات والإمكانات والمشكلات، ولكنه على أية حال سيكون مصدر غنى في التجارب، وسعة في الخبرات.

* في نظركم ما هي العناوين والمفردات التي كانت سائدة في الخطابات الإسلامية قبل الثورة وتحتاج إلى مراجعة وما العناوين التي تقدرون أنها لا تزال صالحة للتداول، وما هي العناوين التي ترون أنا قد استنفذت أغراضها؟

إن عملية الانتقال من خطاب الدعوة إلى خطاب السياسي، يتطلب وعيا وتفكيرا وحنكة. لأن الأمر المطلوب أشبه بثورة، فمن خطاب الفقه والأحكام، إلى خطاب الاختيارات والبدائل، والانتقال من لغة الحلال والحرام، إلى خطاب المصالح والمفاسد، فكوننا حكمنا على أمر ما بأنه حرام في الأمس، لأنه كانت هناك ظروف اقتصادية ومشاكل اجتماعية ونفسية وأخلاقية، لا يجعلنا بالضرورة مشدودين لهذا النموذج في التفسير، لأننا اليوم نريد أن نقدم الحلول والبرامج والخطط للمشكلات القائمة اليوم، وليس للمشكلات التي كانت قائمة بالأمس.

لذلك، أنا أسمي هذه العملية بالانتقال من المنطق الفقهي إلى منطق البدائل، بعملية الانتقال إلى الخيارات المتاحة، حيث يكون الأصل فيها الحلّ واليس الحرمة. خصوصا أن التعامل مع فكرة الحلال والحرام فيها اجتهادات متناقضة إلى حد الاختلاف، فمثلا ثارت مؤخرا مسألة زيارة القدس الشريف، وهل هي حلال أم حرام؟ ومن حقنا في هذا المقام أن نتساءل هل الحكم الشرعي بالحل أو الحرمة في مسائل المواقف السياسية يدخل في قطعيات الدين، أم هو اجتهاد في تقدير المصالح والمفاسد، تحتاج إلى تحكيم خبرة الخبراء في فقه الواقع تنتهي بتفضيل اختيار من الاختيارات في ضوء ما يترجح من معطيات؟ وسوف يطرح سؤال جوهري كذلك هل يجوز التمييز بين مسائل الفتاوى الشرعية والمواقف السياسية، أم أن هذا التمييز يقع في دائرة فصل الدين عن السياسة ومن ثمة الدخول في دائرة العلمانية؟

المثال الثاني الذي يؤكد الحاجة إلى الانتقال من منطق الحلال والحرام إلى منطق البدائل والاختيارات، يبرز في مسألة القول بالحقيقة وامتلاكها، فالمتدينون عموماً والإسلاميون منهم على وجه الخصوص، متهمون بأنهم يحتكرون الحقيقة، حين يرون أنهم بحكم مرجعيتهم الدينية أقرب إلى الحقيقة، ولذلك فهم يعبرون عنها، بوصفها حقائق دينية، وليست فهماً في الدين وحسب. عندما كان الإسلاميون في المعارضة وكانوا محرومين حتى من حق الحرية في التعبير، كان أسمى ما يسعون لتحقيقه هو الحرية، أما وقد تحققت هذه الحرية وأوصلتهم إلى المسؤولية أو ستوصلهم إلى السلطة، فكيف سيتعامون مع غيرهم، ولا سيّما عندما يريد غيرهم أن يمارسوا حريتهم في التعبير والاعراض؟ وهل يعد رأي الآخرين ضلالاً وباطلاً؟ وهل تعد مواقفهم فتنة وعدواناً؟ مع العلم بأنه سيكون من هؤلاء الآخرين مخالفين في الفكر والإيديولوجيا، ومخالفين في الاختيارات السياسية، وربما يمارس بعض المخالفين الإضراب عن العمل، والاعتصام، والعصيان المدني، وربما ينتج عن ذلك الإضرار بالناس وتعطيل مصالحهم، وأكثر من ذلك ربما يمارسون بعض المخالفين استخدام القوة في رفض بقاء الإسلاميين في السلطة أو وصولهم إليها حتى لو كان وصول الإسلاميين إلى السلطة عن طريق الاختيار الشعبي الحر!


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
salim 1979
التميز الذهبي
التميز الذهبي


تاريخ الميلاد : 27/05/1979
العمر : 39
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 5137
نقاط : 100011845
تاريخ التسجيل : 06/11/2012

مُساهمةموضوع: رد: التحولات الكبرى في المنطقة العربية    الخميس فبراير 28, 2013 4:57 pm

لعلّ من الحكمة أن يحرص الإسلاميون على الحريات حتى ولو أدى ذلك إلى فقدانهم مواقعهم. فالحرية هي المجال الذي يتنافس فيه ومن خلاله الناس، على مواقع السلطة والنفوذ، وأعتقد أن الحاجة بدأت تنضج إلى أهمية هذا البعد. الحرية هي المطلب، وقد كان يقول الإسلاميون بحق لا نريد إلا الحرية، لاقتناعهم بأن الشعب حين تتاح له حرية الاختيار لن يختار إلا الإسلاميين، وبالفعل تشير التجارب إلى أن الشعب يعطيهم أكثر مما يعطي للآخرين. والتحدي القائم أمام الإسلاميين فعلاً، هل سيحرصون أكثر من غيرهم على الحرية، أم أن نظرتهم سوف تتغير، وسيخشون أن لا تكون تجاربهم ناجحة، لا سيما والحرب التي تسلط عليهم تكون قوية وشديدة، والناس لا يصبرون حتى تتحقق النتائج والتجارب الجديدة، ومن ثم ينفض الناس من حولهم، ويقولون في أول مناسبة: لقد جربناهم، وأثبتوا فشلهم، وتأكد لنا أنهم كانوا يريدون الحرية لهم وليس لغيرهم.

الظن عندي أنّ الاسلاميين الآن يتجهون إلى الإعلاء من قيمة الحرية باعتبارها ليست مطلبا لهم، وإنما هي المطلب الذي يجتمع عليه الناس، وعليهم أن يقبلوا باختيار الناس حتى ولو كان اختيار الناس يتجه إلى غيرهم.

هناك بعد آخر، ربما لم يبدأ التفكير فيه بشكل جيد، وهو أولوية الإصلاح السياسي والاقتصادي، وعدم إعطاء الأهمية للإصلاح الفكري والتربوي الأهمية التي يستحقها. ذلك أن القضايا المطروحة اليوم لا تحتمل التأجيل، والقضايا الفكرية والتربوية تحتاج إلى وقت، فهل نفكر بالتغيير التربوي أم بلقمة الخبز وفرص العمل، وممارسة مطالب الناس في الديمقراطية وبسط الحريات، وتحقيق نموذج سياسي متوازن؟

هناك قضايا مؤجلة ضمن الإصلاح الاجتماعي، كمشكلة الأسرة، والعنوسة وعدم الزواج، وذوبان الأسرة الممتدة، والتفكك الأسري وكثرة الطلاق، وحتى حالات كبار السن، من اللذين لا يجدون المعيل، ودور العجزة.. وغيرها من المعضلات الاجتماعية، التي لا تتطلب قرارات فقط، وإنما تتطلب إحداث تغييرات في نفسية الناس.

أما مشاكل التعليم العالي في الجامعات، وحتى في المدارس والثانويات، فليس لها أول ولا آخر؛ إذ إن معظم خطط وبرامج التعليم ومناهجه مستوردة، ليس فيها شيء محلي إلا القليل، والحال أن هذه المجالات تحتاج إلى تجديد سواء في قضايا اللغة أو الدين أو التاريخ وما إلى ذلك. ويجب أن نفهم أن المناهج غير المستوردة تحتاج هي الأخرى إلى تجديد، لأنها متخلفة ونمطية إلى حد بعيد، وهي تحتاج إلى إصلاح، وهذا الاصلاح لا يتم بين عشية وضحاها.

بينما القضايا التي تشغل الجميع هي القضايا السياسية والاقتصادية، ويتم إهمال القضايا الفكرية والتربوية والاجتماعي، وتأجيل النظر فيها، وفي ذلك مخاطرة كبيرة، لأن معظم القضايا السياسية والاقتصادية، هي في الأساس نتائج عملية للمشكلات الفكرية والتربوية، ولهذا أرى أنه من اللازم أن ينفر نخبة من المفكرين الإسلاميين في الحركات الإسلامية، وفي غيرها، لبناء الخطط والبرامج التي تتعامل مع الأهداف على المستوى المتوسط والبعيد، في الوقت الذي ينشغل فيها المفكرون والممارسون جهودكم في تطوير الخطط والبدائل في المسائل العملية الملحة التي تحتاج إلى قرارات على المستوى الآني القريب.

أعتقد أنّ مسألة ترتيب الأولويات لا تقتصر على تقديم الـمُلِحِّ من الأمور على الأقل إلحاحاً، وإنما يمكن توزيع هذه الأولويات على فئات من المعنيين بها لتصبح كل منها أولوية عند الفئة التي تتولاها، وعندها تأخذ مسائل الاصلاح الفكري والتربوي والاجتماعي، العناية بها منذ اللحظة، دون أيّ تسويف أو تأجيل، ودون التذرع بأن هذه القضايا تستغرق معالجتها وظهور نتائجها وقتا طويلا، أو أنها لا تدخل في أولوياتنا الملحة، أو أنها سوف تأخذ منا الشئ الكثير من الجهد على حساب أمور أخرى.

أما المجال الإعلامي، فهو بدوره يحتاج إلى وقفات حقيقية، فالإعلام من أكثر المجالات التي كان يشكو منها الإسلاميون، لأنَّ المتحكم فيه يحسم الأمر في التأثير على الجماهير، وبالتالي يمتد ذلك إلى الجانب التشريعي لينتقل إلى المجال التنفيذي، بل ويكون له أثر حتى على السلطة القضائية، فالإعلام صار هو الذي يقود التغيير، ولنا في الثورات العربية المثال الأبرز. ولأهمية الاعلام، مكنت السلطات العلمانية التي كانت تهيمن على مقدرات البلاد في الوطن العربي لمؤيديها من العلمانيين وغيرهم من منابر الإعلام المقروء والمسموع والمرئي، كما حقنت معظم ما يعرض من برامج للتوجيه أو التثقيف أو الترفيه، بمضامين غير صديقة للدين والتدين، وعملت على تشكيل وعي الجماهير، وصياغة نماذج بشرية مستلبة، تهمش دور القيم الدينية، وتجعل من الدين عموماً والإسلام خصوصاً صورا نمطية، تنحو في الغالب وفي أحسن الحالات إلى تدين فردي، بدل أن يكون الدين عقيدة وفكراً ونظاماً وبرامج تقود الحياة في المجتمع.

كان الإسلاميون، ولا يزالون حتى في البلدان التي وصلوا فيها إلى شيء من السلطة، يقولون إن الإعلام يعمل ضدنا، وإنه لا يعمل في خدمة المجتمع، لا في التعبير عن حقائقه الوصفية ولا في توجيهه نحو الأهداف المعيارية. فكيف يمكن أن يصبح الإعلام اليوم بعد وصول الإسلاميين إلى السلطة أداة في خدمة المجتمع؟ وصديقنا لبرامج التحول الإسلامي فيه؟ ولعل العملية الإصلاحية في هذا المجال من أعقد العمليات لأنها تحتاج إلى كوادر فنية، وإلى خطط وبرامج ورؤى وتصورات عملية، وإلى خبرات متمرسة، تنافس الإعلام القائم، وتقدم النموذج الإعلامي المتميز الذي يكسب قلوب الجماهير ويحدث التغيير المطلوب، والذي يتماشى مع التحولات الجارية في المنطقة. ولهذا فالرهان على الإصلاح الإعلامي يعد من أولى الأولويات.

* كيف تقيمون الخطابات التي أنتجتها الحركات الإسلامية في سياق تفاعلها مع واقع ما بعد الثورات؟

حجم التغيير لا يزال ضعيفا، لا يزال المتحدثون في الخطاب الاسلامي أسيري الأقوال التقليدية السابقة، ولا يزال قاصرا عن أن يلبي رغبات الجمهور الذي يستهدفه هذا الخطاب. لا يزال العديد من الناس يتخوفون من الخطاب الإسلامي، ويعدونه خطابا إقصائيا، أو خطابا غيبيا طوباويا، وليس عمليا واقعياً. لا يزال كثير من الناس مترددين بشأن هذا الخطاب، لأنه لم يجرب بعد، ولا يزال الكثير من الناس الذين ألفوا الهجوم على هذا الخطاب يتهمونه باتهامات شتى، ليس من السهل على كثير من الناس أن يزيلوا من أذهانهم هذه الصورة النمطية التي كانت في أذهانهم.

وعلى الإسلاميين أن يعالجوا هذا المستوى البطيء من سرعة التحول، من الخطاب التقليدي الذي كان سائدا إلى الخطاب الجديد. مثلا في الانتخابات المصرية التشريعية، لا يزال كثير من ألوان الخطاب عند الإسلاميين فيه البعد العاطفي والبعد الفقهي، فمثلا لما يقال "عليكم أن تنتخبوا فلانا بالاسم" وليس غيره، و"هذا واجب شرعي"، و"هذه بيعة، بايعتم عليها" ... مثل هذا الخطاب لا أعتقد أنه خطاب سياسي، ولا أعتقد أنه يصلح، لا بد أن تقدم للشخص أدلة مقنعة، وبدل هذا الخطاب، وجب أن يستبدل به خطاب سياسي، يقوم على لغة الاختيارات، والمقارنة بين البرامج ومدى واقعيتها وقابليتها للتطبيق.

وهذا النوع من الخطاب الذي يقوم على لغة عملية واقعية، وجب أن يعتمد بديلاً للغة الخطاب الوعظي الفقهي الذي كان ولا يزال سائداً عند العديد من الحركات الدعوية والأحزاب السياسية التي اقتحمت المعترك السياسي مؤخرا.

ولعل من المفيد أن نشير إلى ظاهرة مؤسفة تسهم في إعاقة عملية التحول في ألوان الخطاب الإسلامي المنشود وممارسة متطلباته. وآية ذلك أن ثمة قوى من توجهات مختلفة إسلامية وعلمانية، لا تريد للإسلاميين أن يمارسوا أي عمل سياسي، فالعلمانيون لا يريدون الخلط بين الدين والسياسة، وربما يرون في الخبرة التي يكتسبها الإسلاميون من ممارستهم للعمل السياسي وما تتطلبة من تطوير عقلاني وميل إلى الاعتدال، وحضور مؤثر لنماذج سياسية إسلامية فريدة في إخلاصها وبعدها عن الفساد، حافزاً يحفز الجماهير لمزيد من الدعم للإسلاميين ويبعدها عن دعم غيرهم. أما الإسلاميون المحافظون فربما يريدون أن يحافظوا على "طهوريتهم" فلا يتلوثوا بالسياسة، ولا يمارسوا ما تحتاج إليه من تطوير وتنويع ومرونة في الخطاب الإسلامي، وهذه القوى تَعُدُّ مظاهر النضج والتطور والحكمة في صياغة الخطاب الإسلامي السياسي وجهود المراجعة التي تقوم بها بعض العناصر الإسلامية لألفاظ هذه الخطاب وشعاراته، تنازلاً عن الثوابت والمبادئ. وتريد هذه القوى أن تبقى مواقف الإسلاميين محصورة في الاحتجاج والمعارضة. ومن هذه القوى عناصر في التيارات الإسلامية ترى أن الدخول في تجارب تسهم في التحول الإسلامي التدريجي، أو التعاون مع غير "الإسلاميين الأنقياء" على تحقيق مصالح عامة للناس هي جهود عبثية، لا تنسجم من دلالات الولاء والبراء.

* مع الثورات وانطلاق الحراك الشعبي الديمقراطي في العالم العربي، تم الوقوف على فراغ كبير في التنظير العلوم السياسية لما يسمى بالتجربة العربية في الانتقال الديمقراطي، في نظركم ما الذي يفسر ضمور الفقه السياسي الإسلامي وعدم قدرته على بلورة رؤى تجديدية لقضايا الإصلاح الديمقراطي؟

الفكر السياسي الإسلامي ولا أقول الفقه لم ينم ويتطور بالقدر الذي تطور الفقه والفكر في المجالات الأخرى. ففي التجربة المعاصرة، لما بدأت حركات الاستقلال في العالم العربي، كانت الأفكار السياسية التي تروج هي الأفكار التي وضعها المستعمر، ولم يكن لدى مجتمعاتنا نظام بديل للفقه السياسي، أو حتى لمعالمه الكبرى. فبلاد الشرق الإسلامي، ما قبل عهد الاستعمار كانت تابعة للدولة العثمانية، ولنظام الحكم في السلطنة العثمانية، ونظام هذا الحكم قائم على تراتبية يقع في رأسها الولاة، الذين يستمدون سلطتهم من السلطان، وكانت معظم الولايات تعيش في نظام استبدادي، وفي أواخر العهد العثماني بدأت عملية التتريك وتحولت الدولة العثمانية إلى دولة تركية.

وما دمنا نتحدث عن تجربة الإصلاح في العالم العربي، الذي كان في مجمله تحت حكم الأتراك وليس العثمانيين، فقد ثار العرب بدعم من الإنجليز ضد الدولة العثمانية، وكانوا يريدون دولة عربية، وقد كان اسم "الشريف الحسين" الاسم المرشح للقب خليفة المسلمين، أو ملك العرب. وربما كانت وعود بريطانيا للعرب لمساندتهم هي العامل الأول فى الثورة ضد الأتراك، إضافة إلى عامل التتريك، الذي لم يعد للعرب معه ما يسوغ الخضوع للأتراك من باب الدين. فهذه المرحلة، كان هناك زعامات فكرية وسياسية تحمل أفكاراً إصلاحية مختلفة، نذكر من بقاياهم في آخر العهد العثماني: جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، والقاسمي والآلوسي الذين كانت مطالبهم موجهة أساسا إلى السلطان العثماني. كانوا يدعون إلى الجامعة الإسلامية، التي تقضي بإجراء إصلاحات في الدولة العثمانية، لكن هذه الدعوات الإصلاحية لم تجد من يستجيب لها، ففشلت تلك الجهود التي كانت تحاول أن تقدم رؤية معينة للإصلاح، في مجمل الدولة التي كانت تعبر عن طموحات المسلمين.

مع مجيء الاستعمار دخلت البلاد العربية في نظام سياسي جاهز ومكتمل، واعتمد فيه الحكم الاستعماري المباشر على القوة المادية والسلاح، ثم بدأ الاستعمار يهيئ أتباعه وأعيانه ورجاله ويعدهم لينوبوا عنه في إخضاع الشعوب، وبطريقة استبدادية سواء كان الحكام في هذه البلاد ملوكا أو أمراء أو رؤساء. وقد خلَّف هذا الوضع تركة من الفكر السياسي الغربي، الذي أعاق إمكانية تطوير فكر له أي صفة أخرى، عربية أو إسلامية. وما بقي على صعيد التراث كان عبارة عن مجموعة من الكتب الفقهية التي كانت تعبر عن أحكام في الفقه، تدور حول ما يجوز وما لا يجوز، ما ينبغي وما يلزم أن يكون، وشروط الوالي، وشروط الخليفة، لكن الأسئلة الأساسية لم تكن تطرح. ومعظم هذه الكتب كانت تكتب تحت عنوان الأحكام السلطانية، السلطان يطلب من فقيه أن يكتب فيكتب، ولم تكن هذه الأدبيات، وهذا التراث في الفكر السياسي الإسلامي، قد نضج بعد، إلى الحد الذي تستطيع فيه الدول الجديدة والأنظمة في العالم العربي أن يكون لديها ما يلزم تطبيقه، فضلا عن كون هذه الأنظمة، كانت زراعة استعمارية تروم تثبيت مفهوم الدولة على النمط الغربي.

لم يكن مطلوبا من الأنظمة السياسية القائمة، إنتاج فكر سياسي، لذلك لم يعط هذا الأمر، الذي كان يحتاج إلى خبرة وممارسة، أية أولوية، لأن غالبية النخب المتدينة والإسلامية كانت محرومة من ممارسة هذه التجارب.

لذلك فإن مستوى النضج الذي بلغه الفكر السياسي الإسلامي المعاصر سوف يعتمد على التجربة والممارسة، ولا يكفي فيه التنظير والبناء في الهواء، حتى يستجيب للمرحلة. ولذلك ليس من العسير القول بإن هذا الفكر لم ينضج بعد ليستجيب لمتطلبات لمرحلة وتحدياتها.

إذا أتيح المجال لقدر من الاستقرار يمكن المفكرين والممارسين الإسلاميين من ترشيد التجربة في المشاركة في الحكم، عندما يمكن أن يكسب الفكر السياسي الإسلامي قدراً من النضج، ليس من خلال بنائه على المبادئ العامة للفكر الإسلامي الإسلامي في مرجعياته من النصوص ومن الواقع التاريخي وحسب، وإنما من قدرته على الاستجابة لمتطلبات العصر ومستجداته كذلك.

على سبيل المثال، نحن نتحدث الآن عن الديمقراطية بصورتها المألوفة في الغرب، وهي ما يمكن أن يكتفي به الإسلاميون اليوم، منتظرين قدراً من الاستقرار وطول التجربة التي تنضج فيها ممارسات ديمقراطية محلية خاصة ربما تقترب من المقاصد المأمولة من الشورى الإسلامية. أما المفهوم المجرد للشورى فقد لا يكون له معنى في الظروف القائمة، سواء كانت هذه الشورى ملزمة، أم معلمة؟ أو مؤلمة. وهل يمكن أن تدار الشورى بطريقة تقترب من تعيين أي من الخلفاء الراشدين في منصب الخلافة؟ أم بالأدوات الديمقراطية المألوفة اليوم؟ هل يمكن اليوم أن نتحدث عن أهل الحل والعقد؟ ومن هم وكيف نختارهم؟ وهل يختارهم الحاكم؟ أو الجماهير؟ وهل هذا الاختيار مفتوح للجميع أم أنه مقصور على نخبة من الناس؟ وكيف يمكننا أن نطور نظاما إسلاميا يستجيب للمرحلة الراهنة، ويستفيد من خبرات الديمقراطية في العالم الغربي، يأخذ منها ما يلبي متطلبات المرحلة، ويحافظ على مبادئ المجتمع وثوابته ومرجعياته العليا؟

وقد أصبح اليوم ضبط التوازن والاستقلال بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية أمراً من أمور الديمقراطية القارة، فإلى أي مدى ينسجم هذا الضبط والاستقلال مع روح الإسلام ومقاصده في التدبير السياسي؟ وثمة مسألة مهمة حتى في الممارسة الديمقراطية الحديثة، فالديمقراطية في أمريكا ليست هي الديمقراطية في فرنسا، ولا هي في ألمانيا، ولا في بريطانيا، كل بلد له تجربته الديمقراطية المختلفة إلى حد كبير، وإن كان يجمع بينها فكرة الاختيار المباشر، واستمداد السلطة من الشعب.

* هل يمكن تلمس شيئاً من مقدمات النضج في كتابات بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين، كالشيخ راشد الغنوشي؟

بالتأكيد هناك العديد من المفكرين الذي قعدوا لفكرة الديمقراطية والنظام السياسي، نذكر من بينهم المستشار طارق البشري، والدكتور أحمد الريسوني، والدكتور توفيق الشاوي، والدكتور سليم العوا، والشيخ رائد الغنوشي، وغيرهم كثير، ممن أثروا المكتبة الإسلامية في مرحلة ما قبل الربيع العربي. لكن ما يميز هذه المرحلة هو اننا دخلنا مرحلة تنفيذ هذه الرؤى والتصورات النظرية وقياس مدى صلاحيتها الاجتهادية.

ولا شك في أن الشيخ الغنوشي قدم تصورات في الفكر السياسي الإسلامي، تتصف بقدر من النضج، وقدمها فكراً مكتوباً وقدمها ممارسة عملية في الوقت نفسه. وقد عمل على تطويع العديد من المفاهيم والتصورات، واجتهد في تنزيلها على تجارب الدول العربية، ولعلّ كتابه حول الحريات العامة في الإسلام، وكتابه الآخر: حقوق المواطنة، يندرجان في هذا السياق، والشيخ علاوة على ذلك يتبنّى منهجا مفتوح الآفاق، ويتبنّى توظيف إمكانيات التواصل والتعاون بين الفئات الإسلامية وغيرها من الفئات في القضايا العامة للأمة والمجتمع.

* السؤال السادس: مع تجربة الإسلاميين في الحكم وضعت المنهجية الأصولية في المحك، وصار التساؤل مشروعا عن جدوى هذه النظرية ومدى قدرتها على مساعدة الحركات الإسلامية على إنتاج رؤى في تدبير الحكم والتعامل مع تعقد واشتباك المصالح والمفاسد وما يتطلبه الإصلاح من مواجهة لوبيات الفساد واستيعاب النخب، في نظركم هل هذه هي لحظة الفكر المقاصدي؟ أم أن هذا الفكر استنفد أغراضه ولم يستطع أن يحدث الانتقال من الحقل المعرفي إلى حقل الممارسة السياسية؟

سؤالكم يمكن إعادة صياغته بالشكل التالي: إذا كانت المنهجية التقليدية (الأصولية والمقاصدية) هي الأدارة الرئيسية في التفكير الإسلامي وفي عمل العقل المسلم، فهل هذه الأدرة لا تزال صالحة أم تحتاج إلى تطوير؟ وما هو التطوير اللازم؟

أعتقد أن القضايا والمسائل المستجدة في الفكر السياسي الإسلامي، هي التي يمكن أن تجدد المنهجيىة الأصولية، حتى تستطيع أن تستجيب لمتطلبات الوضع القائم.

علينا أن نلاحظ أنّ المنهجية الأصولية منهجية منفتحة وليست منغلقة، لأنها منهجية قائمة على كيفيات التعامل، وليست نصوصاً وأحكاماً شرعية، فالمنهجية الأصولية هي وسيلة استنباط أحكام، واستنباط بدائل، واستنباط حلول للمشكلات. ولذلك فإنّ طبيعة المشكلات هي التي تفرض على المنهجية أن تتسع لمثل هذه المشكلات، وبالتالي تكون قادرة على تقديم حلول.

ولن يتم ذلك من خلال التنظير المجرد، وإنما يتم ذلك من خلال المعاناة، فالفقيه والعالم والمفكر والأصولي، ينظر إلى القضية المستجدة المعاصرة ويبحث عن بدائل لها، بدائل أقرب إلى "تحقيق مقاصد الحق من الخلق"، فيستنبط من ذلك حلا يكون أقرب إلى مقصد الشرع، لأن القضية حالة، وليست نظرية، قضية آنية وليست قضية في الزمن الماضي، وقضية هذا البلد وليس أي بلد آخر.

فالمنهجية الأصولية سوف تتطور، آخذة بالحسبان البعد المقاصدي في التفكير الإسلامي من خلال المعاناة، والاستجابة لقضايا العصر الآنية في الزمان والمكان. ولا نستطيع أن نقول إن المنهجية الأصولية قد اكتملت عناصرها، وأصبحت قادرة على أن تلبي متطلبات العصر، وتقدم البدائل في أي زمان أو مكان، فلا نتوقع ذلك.

نصوص الإسلام نصوص عامة، وهي نصوص مقاصدية تتحدث عن الكليات، ففقه الكليات ومقاصد الدين في ضوء القضايا الكلية، سوف يتيح استنباط أشياء جزئية وأحكام جزئية لقضايا حالّة في الزمان والمكان.

وبالتالي، فالتجارب الإسلامية في الوطن العربي،سوف تختلف من بيئة لأخرى حسب الخصوصيات الثقافية والحيثيات الاجتماعية والتاريخية ومدى تفاعلها المبدع في تطوير المنهجية الأصولية لتنزيلها على أحكام ووقائع وبرامج وخطط واستراتيجيات معينة.

وفقه الفقهاء نما وتطور بهذه الطريقة. ما الذي جعل واحدا مثل الإمام الشافعي وهو تلميذ للأمام مالك، أن يشق طريقا في الفقه بآلية الاستنباط، كتبها وأوجد من خلالها علم أصول الفقه، ودونَّه في كتاب الرسالة، وما الذي جعله يفعل ذلك، وهو تلميذ للإمام مالك؟ لا شك في أنَّ الذي جعله يفعل ذلك هو خبرته التي بناها من تنقلاته من المدينة إلى العراق ثم إلى مصر، في خبرة في الزمان والمكان. كل ذلك جعله يستمع إلى مالك وإلى تلاميذ أبي حنيفة، ومنهم وكيع تلميذ أبي حنيفه الذي يعد شيخ الشافعي في العراق، وجمع بين مذهب أهل الحديث ومذهب أهل الرأي، وكتب علم أصول الفقه لضبط عملية استنباط الأحكام الفقهية.

لذلك يمكن القول، إنّ المنهجية الأصولية كانت مرنة في الاستجابة لمتطلبات العصر، وأنّ هذه المنهجية لا تزال مرنة الآن وقادرة على الاستجابة لمتطلبات العصر الحاضر، وهذه المرونة هي الأساس في متطلبات تطويرها وإمكانية تطويرها، وتفعيلها في القضايا العامة، كالعلاقات الأسرية، والتنمية الاقتصادية، وحرية الأحزاب السياسية، وتعارض برامجها وتوجهاتها الفكرية، واستقلالية السلطات في داخل الدولة، والتحالفات الدولية، والعلاقات الخارجية، للإجابة عن أسئلة محددة مثل حدود التعامل مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والصين واليابان.

وعموما فإنه يمكننا القول إنّ المنهجية الأصولية، والتفكير المقاصدي جزء أساسي منها، سوف تتجدد باستمرار من خلال تفعيل كلياتها وقواعدها العامة على الجزئيات والحالات والمواقف والقضايا المحددة.

* في نظركم ما الإضافة التي يمكن أن تقدمها الحركة الإسلامية التي وصلت إلى السلطة لفكر الإصلاح والنهضة التي انطلق مع القرن التاسع عشر؟

مرت الأمة الإسلامية في تاريخها في مراحل وحالات من التقدم والتأخر، وبدأت بعض مظاهر الخلل في وقت مبكر، وذلك بالقياس إلى المستوى الذي يريده الإسلام، وبالقياس إلى الإمكانات العلمية والعملية التي تمتعت بها، وبالقياس إلى اتجاهات النمو والتطور والتقدم الذي كانت الأمم الأخرى تتجه إليها. وقد تطورت حالات الضعف في واقع الأمة، فبدأت في جانب السياسية وطبقة الحكام، في الوقت الذي بقي فيه المجتمع ملتزماً وقوياً في مؤسساته المدنية، ثم استشرى الضعف في سائر المجالات، حتى وصل العالم الإسلامي إلى حالة القابلية للاستعمار، مما مكن للقوى الاستعمارية الأوروبية أن تستعمر الجزء الأكبر من بلدان العالم الإسلامية.

لكن الجهود الإصلاحية في سائر المجالات لم تتوقف، ولنأخذ مثالاً عن بعض هذه الجهود التي قام بها أبو حامد الغزالي في القرن الخامس الهجري، حيث مارس عملية الإصلاح في جبهات متعددة كان منها مثلاً، تصحيح التدين وتجديد فهم الدين وإحياء علومه، وذلك في كتابه المعروف "إحياء علوم الدين". ولا نملك إلا أن نلاحظ مصطلح "إحياء" وقوة دلالاته، فكأن علوم الدين قد ماتت، وتحتاج إلى إحياء من جديد. وثمة جبهة أخرى حاول فيها الغزالي أن يمارس الإصلاح والتجديد، في الفكر الفلسفي، الذي غلبت عليه موجة الاقتراض الثقافي من الفلسفة اليونانية والتأثر بنظرياتها، فواجه هذه الموجة، بما يعبر عن التصحيح والتجديد، في كتابيه: "مقاصد الفلاسفة"، و "تهافت الفلاسفة".

وقل مثل ذلك في جهود كثير من العلماء والمفكرين والمصلحين، التي لم تنقطع في التاريخ الإسلامي. ولست في هذا المقام بصدد تقويم هذه الجهود، لكنني بصدد التأكيد أن هذه الجهود رغم نتائجها الإيجابية المتعددة، لم تكن كافية لعمل انقلاب في الواقع الاجتماعي الإسلامي يمنع استمرار الضعف والتدهور. وفي العصر الحديث كانت هناك تجارب متميزة في التأليف والكتابة وإنشاء المؤسسات التعليمية والفكرية والإعلامية-الصحفية، منها تجارب جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده جمال ومحمد رشيد رضا، وحسن البنا، ولا شك في أن هذا الجهود كانت لها أمتداداتها في حركات الإصلاح المعاصرة، فليس ثمة جهود تبدأ من الصفر، وإنما قدرها أن تبني على تجارب السابقين.

علينا اليوم أن نستثمر كل التجارب السابقة، وأن نبني عليها أيضا، لكن شكل البناء ربما يكون مختلفا من بلد إلى آخر، ومن مجال إلى آخر، فإذا نجحت الحركات الإسلامية في الوصول إلى الحكم بالفعل، وكتب لها بعض الاستقرار الذي يضمن ظهور نتائج ما قد يتحقق من إصلاح في بعض المجالات، فإنها ستكون في الوقت نفسه مطالبة بالبحث عن أسباب تعثر الأفكار والجهود الإصلاحية عن تحقيق أهدافها في المجالات الأخرى.

ولعل أهم ما يجب الانتباه إليه في هذا المسار التقويمي النقدي، هو التمييز بين الديني بالمعنى الفقهي، والديني بالمعنى السياسي، أي الدين كاستجابة عملية وتاريخية وبشرية للمعضلات التي يطرحها العصر. فهذا التمييز مطلوب، لأسباب متعددة، واحد منها أن مختلف التجارب التي يخوضها أو سيخوضها الإسلاميون، لا يجوز أن تحسب على الإسلام، فيكون الخطر على التدين وعلى الدين كله. وعندا يسوغ بعض الناس لأنفسهم القول قد جربنا العلمانيين وفشلوا، وجربنا اليساريين وفشلوا، وجربنا القوميين وفشلوا، وأخيراً جربنا الإسلاميين وها هم يفشلون؟ وخطورة ذلك لا تنعكس على الحركات الإسلامية، وحسب، وإنما على التدين بصورة عامة.

فلا بد من مصارحة الناس أن تجارب الإسلاميين في الحكم هي تجارب بشرية يصيبها ما يصيب بقية التجارب، من الفشل والنجاح، حتى يبقى الدين لنا، فلا تنقض عراه ولا تنقص ثقتنا في الدين. ولهذا فالتمييز بين الحركة الدعوية والحزب السياسي في هذه المرحلة أمر مهم. والتجربة المغربية في هذا المجال تجربة واعدة في التنظير لعلاقة الفصل والوصل بين الحركة الدعوية والحزب السياسي في العمل الإسلامي، فالدعوة هي لأبناء الأمة كلها، تنافح عن هويتها الإسلامية وقضاياها الجامعة، وتغني التجرية الدينية والانتماء الديني لأعضائها ومناصريها، وللجماهير التي تخاطبها، أما الحزب السياسي فهو إطار تنظيمي للمنتسبين له ضمن برنامج سياسي يتنافس فيه مع الأحزاب الأخرى على أصوات المواطنين من خلال ما يمكن لبرنامجه أن يقدم للمواطنين من مصالح مباشرة. لذلك يفضل أن لا يسوغ الحزب عمله تسويغاً دينياً، ولا يكون التزام أعضائه برؤية الحزب التزاماً شرعياً، وإنما هو التزام إداري تنظيمي. وهذا لا يعني بالضرورة أن يصبح الحزب ذو المرجعية الإسلامية مثله مثل سائر الأحزاب الليبرالية والعلمانية، وإنما تبقى مرجعيته الإسلامية منطقاً لرؤيته النظرية، وإطاراً لمواقفه العملية، وأساساً لتحديد برامجه في تحقيق مصالح البلاد والعباد. ويبقى لكل من الحركة والحزب أطره الإدارية والتنظيمه ومصادره المالية المستقلة تمام الاستقلال عن بعضها بعضاً، ويبقى لكل منهما رموزه وشخصياته القيادية المستقلة تماماً أيضاً.

* في تقديركم ما هي الأولويات التي يلزم أن يشتغل عليها الخطاب الإسلامي في المرحلة القادمة؟

كل ما قلناه سابقاً يعبر في نظري عن أولويات، وللتلخيص والتذكير يمكن الإشارة إلى ما يأتي:

1. إعطاء قدر من الأمل والتفاؤل للناس بإمكانية تحقيق الإصلاح في مجالاته المتعددة، بعد فترة طويلة من اليأس الذي أصابهم بسبب طول عهود الفساد والاستبداد.
2. التميز والاستقلالية التامة بين العمل الدعوي والعمل السياسي، في أشخاصه، وبرامجه، وأولوياته، ومتطلباته الإدارية والتنظيميه، وذلك من باب التخصص في مجالات العمل، رغم وجود الهوية والمرجعية الجامعة.
3. الانتقال من خطاب الدعوة الوعظي إلى خطاب الدولة السياسي الذي يعتمد الخطط والبرامج والمشاريع البديلة، فالإسلاميون الذين حرموا في السابق من العمل السياسي لم يطوروا من صور الخطاب السياسي وأولوياته وبرامجه، ما يجعله منافساً لبرامج الحركات والأحزاب والقوى السياسية الأخرى، والخبرة في هذا المجال تختلف عن خبرة العمل الدعوي العام، وعن خبرة العمل السياسي الذي مارسته التيارات غير الإسلامية؛ تختلف في الألفاظ والشعارات وطرق الحشد والإقناع التي تمارس مع الجماهير.
4. الانتقال من مواقف الاحتجاج والمعارضة التي مارسها الإسلاميون طويلاً، منذ بدء مواقف العلماء من رجال السلطة بعد انتهاء الخلافة الراشدة، حتى الآن، إلى مباشرة حمل المسؤولية وترشيد ممارسات الحكم بصورة تغذي الفكر السياسي الإسلامي والعمل السياسي الإسلامي بنماذج طال انتظار الشعوب لها.
5. الاهتمام بمشاريع الإصلاح التربوي والفكري بوصفها أطول في مداها وأعمق في أثرها، وأوسع في نطاق شمولها. وذلك بأن ينفر إليها أهل الكفاءة والاختصاص للتفكير والتخطيط والبرمجة. وبغير ذلك فإن المشكلات السياسية والاقتصادية في كثرلاتها وإلحاحها وراهنيتها ربما تغرق جميع الكفاءات الإسلامية في مواجهتها والاستجابة لها، فلا يبقى للإصلاح التربوي والفكري من الكفاءات والإمكانات ما تستحقه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
التحولات الكبرى في المنطقة العربية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: ******** لسا نـــــــــــــــــــــــس ******** :: السنة الثالثة علوم سياسية ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات ) :: عـــــــــام-
انتقل الى:  
1