منتدى قالمة للعلوم السياسية
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخي الزائر الكريم ..أهلآ وسهلآ بك في منتداك ( منتدى قالمة للعلوم سياسية ) إحدى المنتديات المتواضعة في عالم المنتديات والتي تزهو بالعلم الشرعي والمعرفة والفكر والثقافة .. نتمنى لكم قضاء أسعد الأوقات وأطيبها .. نتشرف بتسجيلك فيه لتصبح أحد أعضاءه الأعزاء وننتظر إسهاماتكم ومشاركاتكم النافعة وحضوركم وتفاعلكم المثمر .. كما نتمنى أن تتسع صفحات منتدانا لحروف قلمكم ووميض عطائكم .. وفقكم الله لما يحبه ويرضاه , وجنبكم ما يبغضه ويأباه. مع فائق وأجل تقديري وإعتزازي وإحترامي سلفآ .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . المشرف العام


 
الرئيسيةالبوابةس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتالتسجيلدخولصفحتنا عبر الفيسبوكمركز تحميل لكل الإمتدادات
منتدى قالمة للعلوم السياسية يرحب بكم
تنبيه:إن القائمين على المنتدى لا يتحملون أي مسؤولية عن ما ينشره الأعضاء،وعليه كل من يلاحظ مخالفات للقانون أو الآداب العامة أن يبلغ المشرف العام للمنتدى ، أو بتبليغ ضمن قسم اقتراحات وانشغالات
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مذكرة بناء السلم في مالي - الفرص و التحديات -
من طرف salim 1979 السبت يونيو 09, 2018 12:31 am

» تفاءل يا أخ الأحزان، فإن النصر في الصبر
من طرف ahlm22 السبت مايو 26, 2018 5:09 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2017
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:58 pm

» التنافس الدولي على الموارد الطبيعية في افريقيا بعد الحرب العالمية الثانية
من طرف salim 1979 السبت مايو 26, 2018 4:57 pm

» امتحان الدورة العادية في مادة التسلح ونزع السلاح 2018
من طرف salim 1979 الجمعة مايو 25, 2018 7:03 pm

» الحرب وضد الحرب
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:51 pm

» التحول والانتقال الديمقراطي: النسق المفاهيمى
من طرف salim 1979 السبت مايو 05, 2018 6:46 pm

» تحميل الثقافة العالمية العدد 177
من طرف salim 1979 الخميس أبريل 12, 2018 3:53 pm

» أعداد مجلة المعرفة السورية
من طرف salim 1979 الإثنين أبريل 02, 2018 9:23 pm

أنت زائر للمنتدى رقم

.: 12465387 :.

يمنع النسخ

شاطر | 
 

 النُّخبـــــة الجزائريـــــة المفرنسة بين 1900-1940 مرجعيات الحداثة واهتمامات المجتمع

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد امين بويوسف
عضو فعال
عضو فعال
avatar

تاريخ الميلاد : 05/09/1991
العمر : 26
الدولة : الجزائر
عدد المساهمات : 153
نقاط : 469
تاريخ التسجيل : 15/11/2012
الموقع : mamino.1991@hotmail.fr
العمل/الترفيه : طالب + لاعب كرة قدم + عاشق للفيس بوك

مُساهمةموضوع: النُّخبـــــة الجزائريـــــة المفرنسة بين 1900-1940 مرجعيات الحداثة واهتمامات المجتمع   الجمعة ديسمبر 28, 2012 10:05 am

تقــــديم:
ظلّ المدلول التاريخي للحداثة[1] مرتبطاً بمرحلة من مراحل تطور الكاثوليكية في أوربا، فقد ظهر هذا المصطلح في بداية سنة 1904 بإيطاليا في صورته الثقافية، التي تعني العمل على جعل الكاثوليكية أكثر "تنويراً" بالنسبة إلى التعليم السكولاستيكي)=المدرسي(، ثم شرعت الحداثة في دخول مختلف الميادين بعد ذلك، وصارت تحمل مفهوم مراجعة الأفكار الجاهزة التي يتلقاها الفرد من محيطه الأول وإثراء التراث بالمكتسبات العلمية الحديثة[2].
إنَّ دراسة الاتجاهات الحداثية بالنسبة إلى النخبة الجزائرية ترتكز إلى ثلاثة محاور: يتمثل المحور الأول في تتبع الأحداث وسير الأشخاص الذين ساهموا في تطوير هذا الاتجاه، وذلك من خلال مرجعياتهم الاجتماعية والثقافية. ويتمثل المحور الثاني في تحليل الخطاب المذهبي والأيديلوجي لهذه الفئة. أما المحور الثالث فيتمثل في تحليل تطور الظاهرة الاجتماعية الثقافية وعلاقاتها بهذه الأطراف الفاعلة على الساحة الجزائرية.
إن هناك ملاحظة لا يمكن لأي مؤرخ إنكارها تشكل منطلقاً ومبرراً لتناولنا هذا الموضوع، وتتمثل في التأخر النوعي للثقافة الدينية في الجزائر بين 1900-1940 مقارنة مع الثقافة اللائكية التي كانت تبثها المدارس الاستعمارية الفرنسية آنذاك، ومن هذا الإشكال كانت تنطلق التّوجهات الحداثية بالنسبة إلى النخبة الجزائرية. وينبغي الإشارة هنا- لأجل رفع الالتباس- أن هذه الحداثة لم تكن توجها عامًّا بين النخبة كلها وإنما كانت عبارة عن مبادرات فكرية تنظيرية من بعض أفراد هذه النخبة، تعرضت بسببها هذه الأخيرة إلى مضايقات ومواقف الحذر وعدم التفهم من المجتمع الجزائري. بينما ظلت شخصيات أخرى من هذه النخبة تعمل باتجاه الحداثة ولكن ليس بواسطة التنظير وإنما بنشر الأفكار التنويرية بواسطة التعليم والصحافة.
ويأتي هذا المقال ليسد بعض النقص في الكتابة حول تاريخ الجزائر الاجتماعي، إذ يتم التركيز في غالب الأحيان حول المواقف السياسية والأيدلوجية دون التطرق-إلا نادراً للموضوعات الاجتماعية- التي كانت النخبة الحداثية الجزائرية تقدم حولها آراء تستحق الدراسة والتأمل، ولا تزال كثير من هذه القضايا الاجتماعية تطرح نفسها، إلى اليوم ، على المجتمع الجزائري المعاصر.

أولاً – مرجعيات النخبة الحداثية

1. المرجعيـّـة الاجتماعيــــة
في تقديمه لكتاب بن حبيلس قدم لنا جورج مارسي تعريفا للنخبة الحداثية المتفرنسة(*) متزامناً مع المفاهيم الاجتماعية المتداولة خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين. يتوجه هذا الأخير بخطابه إلى جماعة النخبة الجزائرية بقوله: » إنكم أنتم المتجذّرون في التراب الجزائري، والمتخرّجون من ثانوياتنا ومدارسنا، والذين تدلون برأيكم حول المسائل التي تهمنا دون عاطفة ودون مواقف مسبقة(..) إنكم بثقافتكم، أكثر منه بانتمائكم الاجتماعي، تنتمون إلى ما يمكن أن نسميه بكل استحقاق "النخبة الأهلية"[3].. إنها- يقول مارسي- هذه النخبة التي لها مكانتها بالنّسبة للرأي العام الفرنسي لأن لها بعض مظاهر النخبة الأوربية، ولكنها لا وزن لها بالنسبة إلى الجماهير من «الأهالي»، وذلك للسبب نفسه أي مظهرها الأوربي..هذه النخبة المكونة من بعض الأطباء الشرفاء وبعض المحامين الشطَّار وبعض الصحفيين اللامعين وكذلك المعلمين الذين يعون تماماً دورهم في نشر الأنوار، والواجب الذي عليهم تجاه فرنسا التي صنعت منهم –مجاناً- ما هم عليه اليوم..إنّ النخبة التي تنتمون إليها تبدو لي العنصر الأكثر فائدة للوحدة بين الشعوب، لأنها تغذت من الثقافة العربية وأمكنها أن تتخلق بالآداب الفرنسية..«[4]. وقد رسم نفس الكاتب المرجعية الأيديولوجية لهذه النخبة بقوله: » إن نظرتكم وانتقاداتكم للمجتمع الجزائري صارت أكثر وضوحا بسبب دراستكم للحضارات الأوربية وتعمقكم في تفحص المجتمع المسلم الذي يحيط بكم ..بفضل هذه المزايا-يقول مارسي- يمكنكم تصور المستقبل خارج شبح الجامعة الإسلامية..«[5].
ويرى سعد الله أن هذه الفئة من الشباب التي »يعبر عنها أحياناً بالنخبة وأحياناً بالشبان وتارة بالمثقفين، وهؤلاء كانوا أصلاً من أبناء الأثرياء، وقليل منهم من انحدر من أصل فقير، وقد تلقوا ثقافتهم في المدارس الفرنسية ونموا في أحضان الحضارة الغربية فتأثروا بتصوراتها ومبادئها[6]«. ولكن بن حبيلس ينفي انتماء النخبة الحداثية الاندماجية إلى الطبقة البرجوازية، بل يعتبر النخبة منحدرة من طبقة الفلاحين البسطاء لأن التجربة في الجزائر كما في فرنسا خلال العصور الوسطى- يقول هذا الأخير- أثبتت » أنه لا يمكن الاعتماد على العائلات الكبيرة في نشر الحضارة والرقي في جبال القبائل أو في أعماق الصحراء..«[7]. ويصرح بن حبيلس أنه هو نفسه منحدر من عائلة من «الأهالي» وعاش وسط «الأهالي» تحت الكوخ في منطقة البابور أو تحت سقف الحضري في المدن[8]. وجاء في تصريح فرحات عباس: « إننا في أغلبنا ننحدر من أصل فقير، نحن أبناء الدواوير ننتسب إلى العائلات المتواضعة صرنا بعد ذلك حاصلين على البكالوريا لا ندري كيف صار ذلك ممكنا.. »[9] .
وانطلاقاً من هذه الشهادات فإنه-في نظرنا- لا يمكن الجزم بالأصل الطبقي الواحد لجميع أفراد النخبة، ولكن يجب التأكيد على أصلها وانتمائها إلى المجتمع الجزائري. يقول مالك بن نبي -في حديثه عن تجربته الخاصة- في شأن تأثير الأصل الاجتماعي في اعتناق النخبة للأفكار والمذاهب: » فأحكامي المسبقة ربما أورثتنيها طفولتي في عائلة فقيرة في قسنطينة، زرعت -لا شعوريا- في نفسي نوعا من الغيرة والحسد نحو العائلات الكبيرة(..) فتبسة بسبب حياتها الخشنة منحتني نوعا من التعالي على كل شكل من الحياة المرفهة، وكنت أعتقد أنني أكون أقرب إلى الإسلام بالبقاء قريبا من البدوي أكثر من البلدي الرجل الذي يعش في وسط متحضر..«[10]. وهذا ما يجعلنا نلاحظ أن نظرة النخبة الفقيرة – وعامة الناس من باب أولى- كانوا يميلون- فكريا ونفسيا- إلى الشخصيات التي تعبر عن انتمائهم الطبقي.
2. تأثير الثــورة الكماليــة
أ‌. صداهـا في الجزائـر
يرى صاري أن النخبة الجزائرية لم تكن مطلعة على الصراع الذي كان يدور بين مصطفي كمال والخليفة في بداية الأمر، ولذلك فالشيء الذي استهواها-يقول الباحث- هو الانتصارات التي كان يحرزها أتاتورك ضد جيوش الدول الأوربية من إنجليز وفرنسيين ويونانيين.والظاهر- يقول هذا الباحث - أن النخبة الجزائرية لم تجد تعارضاً بين الوفاء للخلافة الإسلامية والإعجاب بشخصية مصطفى كمال في نفس الوقت. ولذلك فإن الصّراع الذي وقع بين الخليفة ومصطفى كمال، الذي أدى إلى عزل هذا الأخير عن قيادة الجيش في 8 جويلية 1919 وخروجه بعد ذلك عن طاعة السلطان، ثم صدور فتوى من شيخ الإسلام تعتبره وأصحابه مارقين عن الدين، وتحكم عليهم بالإعدام،؛ كل هذا لم يكن يهمّ الجزائريين بقدر ما كان يهمهم انتصارات مصطفى كمال على جيوش القوى الأوربية المتحالفة ضد هذه القوة الإسلامية ممثلة في الخلافة العثمانية[11].
وتنبغي الإشارة هنا إلى كون حركة الجامعة الإسلامية تلقت صدمةً كبيرة بسقوط الخلافة الإسلامية سنة 1924، وكانت الخلافة الإسلامية، حتى ذلك التاريخ، ترمز إلى وحدة العالم الإسلامي. وإذا كان العرب في الشرق قد وجدوا بديلهم في القومية العربية كشعار جامع » فإن الجزائريين كان موقفهم مختلطاً، لأن قليلاً منهم كانوا مثقفين بالعربية بينما كانوا جميعا مسلمين محافظين«[12]. فهناك من النخبة الجزائرية من لم يستطع تحديد موقفه من الصراع الذي كان بين الخليفة و مصطفى كمال وبقي يتأرجح بين الوفاء للخليفة والإعجاب ببطولات الغازي مصطفى كمال، وسوف نجد فيما بعد أن صورة كمال أتاتورك لم ترتبط في أذهان النخبة المتفرنسة خصوصا بإلغاء هذا الأخير للخلافة الإسلامية والاعتداء على الإسلام بقدر ما ارتبطت –كما يقول هشام جعيط- بصورة الغازي الذي تغلب على جيوش الغرب والمحرر من احتلال الكفار[13] . فقد آلم الجزائريين هذا الفراغ المهول الذي تسبب فيه كمال أتاتورك وأصحابه في مسيرة الأمة الإسلامية وذلك خصوصا في الوقت الذي كانت أحوج ما تكون إلى راية تجمعها في مقاومة الاستعمار » غير أن مخاوف التشتت والضياع ما لبثت أن انقلبت عند الجزائريين بصفة خاصة إلى دعوة ملحَّة إلى التوادد والإخاء حول القرآن الكريم وإيمان بوجوب التلاحم حول مقدسات الإسلام«[14] . ولعل سقوط الخلافة الإسلامية هو الذي –في نظرنا- جعل الجزائريين يتنبهون إلى ضرورة الاعتماد على أنفسهم ويبلورون أيديولوجيتهم الوطنية الجزائرية الخاصة. ومما يؤيد رأينا هذا ما تشهد به بعض الكتابات التي تذكر أنه » في الوقت الذي حرم فيه العالم الإسلامي من كل توجيه روحي وزمني ممثل في الخلافة الإسلامية، بدأ ظهور الحركات الوطنية لتخلف المبادئ الكبرى للوحدة الإسلامية «[15].
يذكر بن نبي أن أنباء مصطفى كمال الذي تحدّى القوى الاستعمارية كانت من الأحاديث المتداولة سنة 1920 في الأوساط المثقفة »كما أن صوره أخذت تنتشر انتشار صور سيدنا علي أو كأنها تلك الرسائل التي كانت تأتي إلى الجزائر مع الحجاج العائدين من مكة كل عام والتي لا يعرف مؤلفوها . كانت مكتبة النجاح توزع هذه الصور فيأخذها بعض الطلاب ويضعونها فوق الأسرة داخل غرف المنامة في المدرسة.. لقد كانت أسطورة( الغازي وعصمت إينونو ) في ضمائرنا مرادفة للخلاص والانعتاق، وأصبح الميل لتركيا شائعا في البلاد كلها وخاصة طلبة المدرسة« [16].
ب. تفاعـل النخبــة الاندماجيـة
سوف نتناول هنا موقف النخبة الحداثية ذات الاتجاه الاندماجي من هذا الموضوع المتعلق بمصطفى كمال وإنجازاته. ونجد بهذا الصدد موقف حسني لحمق[17] الذي كان يرى أن تجربة تركيا لم تكن لتنجح لولا تبنيها للمبادئ المخالفة تماماً لمبادئ القرآن التي رفضتها هذه النخبة جملةً، ويرى هذا الكاتب ذو التوجه البربري المسيحي أن هذه التجربة يمكن أن تكون مثالا يُحتذى بالنسبة إلى النخبة الجزائرية، كما يرى أن » النخبة التي تتولى مقاليد الأمور في تركيا تدرك جيدا أنها إذا سمحت للدولة والمجتمع باتباع توجيهات القرآن حرفيا، فإن بلادها سوف تصير "أرضا مخربة" بعد عشرين أو ثلاثين سنة..«[18].
أما ابن التهامي فكان يبرر إلغاء الخلافة الإسلامية بمواقف العرب المتخاذلة تجاه الدولة العثمانية، وبذلك صارت تركيا الكمالية –في نظره- مجبرة على التخلص من الخلافة حتى تتفادى عداوة الدول الأوربية المسيحية[19]. ويعلق أحمد صاري على هذا الرأي، الذي لم يجد فيه ما يقنع، خصوصاً وأنّ الدول الأوربية- في رأيه- كان من مصلحتها الإبقاء على الخلافة الإسلامية- على ضعفها- ولم يكن من مصلحتها ظهور دولة وطنية حديثة[20].
ونجد كاتباً آخر من هذه النخبة يحاول البحث عن المبررات التي جعلت مصطفى كمال يقدم على إلغاء الخلاقة الإسلامية بقوله: » رأوا من الواجب أن يعدلوا عن تلك السياسة العقيمة التي أوردتهم مورد التهلكة، وكادت توقد نار الفتنة وتقضي على وحدتهم بالانحلال، وعلى مملكتهم بالانصهار(كذا) ويبطلوا هذا الخليفة الذي لم يفدهم في شيء ولم يغنموا منه إلا مناصبة الأعداء وتتابع الأرزاء فأخرجوه من بلادهم وسمحوا له بالذهاب لأي موضع يختار بعدما عينوا له إعانة سنوية كافية له ولعائلته« [21].
أمّا المدرسون من أصل أهلي، الذين انتظموا في جمعية سنة 1922 ، وعبروا بواسطة جريدة (صوت المستضعفين) عن آرائهم فلم يخفوا إعجابهم الصارخ بتركيا الحديثة وبالمساعي التي يقوم بها مصطفى كمال يقول أحدهم » إن هذا الحدث هو ذو أهمية بالغة، ويشكل الأطروحة المفضلة بالنسبة لنا وهي أن الإسلام قابل للتطور وأن المسلمين لن يصلوا إلى شيء من التقدم إذا لم يتمكنوا من الفصل بين السلطتين الروحية والزمنية..إنّ النزعة التأويلية والتوفيقية بالنسبة إلى النصوص الدينية لن توصلهم سوى إلى حالة دونية بالنسبة إلى الأمم الأوربية، خصوصاً عندما يزعمون-يقول صاحب المقال- أن الشريعة قابلة للتَّكيف مع التغيرات التي لا تؤثر على أصول الإسلام.. إن الثورة التركية ليست جنونا مثلما يزعم البعض، ولكن تبنياً لنظرة أكثر مرونة في التعامل مع متغيرات الواقع.. إن الذين ينتقدون مصطفى كمال وأصحابه في ما قام له من تحديث تركيا لا حق لهم في ذلك لأنهم ينظرون من خلال رؤيتهم المالكية(نسبة إلى المذهب المالكي) الضيقة..إن مصطفى كمال لا يعد منقذاً لبلاده وحسب ولكنه يطمح إلى تكوين شعب شاب ونشيط..«. كما نجد هذا الكاتب يربط هذا الكاتب بين الثورة الكمالية اهتمامات المجتمع الجزائري في تلك المرحلة، ويركز على نقطتين لهما أهمية بالنسبة إلى الواقع الجزائري آنذاك وهما: مسألة تغيير اللباس، ومسألة القانون الأساسي للأحوال الشخصية الإسلامي..وتساءل إذا كان المسلم يمكن أن يحافظ على إسلامه إذا اختار التجنس بالجنسية الفرنسية؟ ويجيب بكون العلماء الأتراك اختاروا القانون السويسري، ورأى بعضهم في ذلك تحديثا للإسلام[22].
ويظهر نفس الكاتب الإعجاب بمجهودات الشعب التركي في اتجاه الحداثة بقيادة مصطفى كمال بقوله: » فالحركة التركية هي نتيجة لعمل شغوف قام به رجال رفضوا أن يجردوا من شخصيتهم الذاتية« [23]. ويظهر إعجاب الزناتي في هذا التغيير خصوصاً ما حققته المرأة التركية من تحرر ومن مساواة بين الجنسين ومنع تعدد الزوجات(*) ولكن الزناتي تأسف لكون هذا التغيير لم يمس سوى المرأة التركية، وكان يتمنى أن يمس هذا التحديث كل الشعوب الإسلامية. ولكن يوجد في القرآن - في رأي الزناتي- ما يلبي رغبات الشعب التركي في التّحرر لو تم الاعتماد عليها، الأمر الذي سيدفع بقية الشعوب الإسلامية إلى مجاراة حركة الأتراك[24]. وهكذا نجد النخبة الجزائرية ذات الاتجاه الاندماجي قد اهتمت بما يحدث في تركيا ولم تخفي إعجابها بما يحدث بالثورة الكمالية، كما حاولت أن تربط كل ذلك بواقعها الراهن تحت الاحتلال، وبالتغييرات التي يمكن أن تحدث في المجتمع الجزائري، محاولة أن تستخلص من كل ذلك ما يفيد الجزائريين باتجاه الحداثة التي ما زالت - في هذه المرحلة على الأقل- تحافظ على ارتباطها بتقاليد المجتمع.

ثانياً
اهتماماتـــها
1. وضــعية المـــرأة الجزائرية
أ. رأي إسماعيــل حامــت
إذا أردنا التعرف على الآراء الواردة في موضوع المرأة بين مختلف الاتجاهات التي تشكل النخبة الجزائرية فإن أقدم ما نجد من النصوص لدى النخبة الجزائرية مع بدايات القرن العشرين بالنسبة لهذا الموضوع، هو رأي إسماعيل حامت الذي ينصّب نفسه سنة 1906 من مناضلي "الاتجاه النسوي" كما يصفه هو نفسه، والذي كان في أوج نشاطه في أوربا خلال هذه المرحلة. فيرى حامت أن المرأة في الجزائر تظل تحت سلطة الرجل لأنه –في رأيه – ليس لديها من الكفاءات ما يؤهلها للعب دور في الحياة العامة وليس لها أي حضور في مجال الصناعة والفنون التي ظلت حكراً على الرجل. ويرى حامت –دائما- أن للتعليم دوراً هاما في مجال ترقية وضعية المرأة في المجتمع الجزائري » فبمرور بعض الوقت تحصل عدد من النساء الجزائريات على ثقافة فرنسية، ويمكن أن يشاركن في الحياة العامة الأوربية ولكن ذلك سيكون طويلا ًوحسب ترقّي الرجال من الوسط الأهلي«، ولكن حامت لا يعتقد أنه يمكن الاعتماد على جهد المرأة من أجل ترقية المجتمع الأهلي، لأن تجربة علماء الاجتماع – في رأيه- تثبت أنه » لم يكن للمرأة أي دور فاعل في تطور أغلب الأجناس«[25].

ب. رأي الشريـف بن حبيلـس
كما نجد الشريف بن حبيلس الذي كان رئيسا لودادية القضاة المسلمين الجزائريين(AMMA) وأميناً عاماً لاتحادية النّواب لمقاطعة قسنطينة (FEMDC)، كان لبن حبيلس موقف مغاير من موضوع تحرير المرأة المسلمة فهو يرى » أنه تكوّن في الجزائر نوع من النخبة الأهلية التي يسكنها حب الحضارة الفرنسية، هذه الأقلية المتفتحة على منجزات الحضارة الغربية وقيمها في العلم والعمل تصل إلى حد عبادة(كذا) المجتمع الفرنسي وخصوصاً في الجانب المتعلق بحرية المرأة)..(وإذا كانت هذه النخبة لا تزال مرتبطة بالعقيدة الدينية فإن تأثرها بالخطب الدينية لا أثر له، كما أنها هجرت ممارسة الشعائر الدينية. إن هذه النخبة-يقول بن حبيلس- هي التي تقبل يومياً القوانين الفرنسية وترفض قوانين أسلافها، وهي بذلك –في نظر عامة الشعب- لا تختلف عن المتجنسين؛ إن لهذه النخبة-يقول صاحب النص- هموماً أخرى غير الاهتمامات الدينية التي كانت تعتبرها مجرد أشباح لا وجود لها«[26]. ويؤكد بن حبيلس على ضرورة تحرير المرأة الجزائرية التي تعاني من وضع ثقيل ومحزن جعل منها "أَمَةً" تقوم بجميع الأعمال الشاقّة من جلب الماء وجلب الحطب إضافة إلى نظام "الخمّاسة" التي تعتبر ضحيّة له أكثر من الرَّجل[27].
ج. رأي الشريـف حـاج قاضـي
لا بد من التأكيد هنا على أن النخبة من «الأهالي» المتخرجين من التعليم العام الفرنسي كانت تتقاسم مع الطاهر الحداد أفكاره بخصوص تحرير المرأة بل كذلك نظرته الاجتماعية والفلسفية. ويربط حاج الشريف قاضي[28] بين تكوّن المواطن الفرنسي الذين يدرك-بفضل التعليم- واجباته تجاه الأسرة[29] وبين وضعية المرأة إذ يرى أنه » بفضل الله وبفضل فرنسا، يمكن أن يتحقق حلمنا في رؤية رجال مسلمين ومواطنين فرنسيين يمنحون نساءهم فرصة العيش في كنف الحرية والسعادة وأن يتم استلهام كل ذلك من القرآن الذي يأمر بحسن معاملة المرأة«. والملاحظ لدى حاج الشريف قاضي أنه إلى جانب استلهامه قيم التّحرر من القرآن ومن قيم الحضارة الغربية فإنه يركز على التدرج في تحرير المرأة بواسطة تعليم الرجل نفسه الذي» يتوصل هو نفسه تدريجيا إلى الاقتناع بضرورة تعليم زوجته وبناته وهذه –في رأي قاضي- هي المرحلة الأخيرة في الطريق الطويل والشاقّ الذي تتحول فيه المرأة من بدوية تعاني الشّقاء إلى امرأة حرة تتقاسم مع شقيقاتها الأوربيات الحياة العادية«. ويعتقد قاضي أن تحسين وضع المرأة الحضاري هو أفضل وسيلة للتقريب بين العنصرين الجزائري والأوربي. وبالنسبة للباس المرأة الجزائرية يرى قاضي أنه في البداية لا بد من احتفاظ المرأة بحجابها خصوصاً في المدن الكبرى، وذلك لفترة قصيرة، خصوصا وأن المرأة داخل القبيلة ليست محجبة. ويرى نفس الكاتب أنه » باعتبار أن المقصود من حجاب المرأة هو حمايتها من إيذاء الأغراب، فإن هذا الوضع سوف يتغير عندما يتحلّى الرجال بمراعاة الأدب في معاملة النساء وبالتالي فإن "عادة" الحجاب(*) سوف تختفي شيئا فشيئا عندما تختفي الأسباب التي أوجدتها..«[30].
د. رأي جماعة صوت المستضعفين
كان بعض كتاب صحيفة (صوت المستضعفين)[31] من الماسونيين مثل ليشاني الذي أصله من ليشانة، وهي قرية من نواحي بسكرة، وكذلك طاهرات من قسنطينة[32]. وقد جاء في بعض أعداد هذه الصحيفة ذات الاتجاه العلماني: » إننا نجد النساء الأوربيات في الجزائر يمكن أن يتعلمن وكذلك اليهوديات، أما النّساء المسلمات فإنهن يظللن حبيسات الأحكام الدينية المسبقة والرّتابة القاتلة إلى حد الجهل والاعتقاد في الخرافات. وهذا الوضع المتخلّف هو الذي يدفع الرجال المثقفين في شمال إفريقيا إلى مسايرة التقدم والحضارة، هذه الحضارة التي ليست مسيحية ولا مسلمة ولا شرقية ولا غربية ولكن كونية«[33]. ونشرت صحيفة(صوت المستضعفين) مقالاً، سنة 1928، يدعو فيه صاحبه إلى تعليم المرأة المسلمة » لأن ذلك-يقول صاحب المقال- في مصلحتنا، إذ إنّ الأفكار التي نعلمها لها تتقاسمها مع زوجها وأولادها وكل من حولها..وكل أمّة تتذكر في تاريخها نماذج لنساء حولن مجرى الأحداث«[34].
هـ. رأي فرحـات عبــاس
كان فرحات عباس شاهداً على هذه المرحلة من تاريخ المجتمع الجزائري، وهو الذي سجل في كتابه "الشاب الجزائري" قوله: » إن النّساء المسلمات (في الجزائر) يلعبن الدور الأساسي في مقاومة تغلغل الحضارة الأوربية، إنهن يعقن وصول كل ما يأتي من الخارج، إنهن بهذه الطريقة صرن الحارسات لنمط مجتمعنا التقليدي. فبرعايتهن صقلت طفولتنا الأولى وصارت أكثر ارتباطاً بالماضي وبأمجاد الإسلام المغربي القديم، وبواسطتهن انتشرت الأغاني الشعبية وتقديس الأولياء والصّالحين والأماكن المقدسة، وكذا التعلق بقيم الإسلام وقيم شعبنا«[35]. وبهذا الصدد لا بد من تسجيل إدراك فرحات عباس للبعد السوسيلوجي في الفجوة التي تفصل بين الريف والمدينة في الميدان المتعلق بحرية المرأة حيث يقول هذا الأخير: » كان بين المدينة والدوار قرون من التخلف[36] علينا أن نتجاوزها، ليس وحدنا، ولكن بمساعدة الجماهير المسلمة. هذا التأخر يمكن تداركه إذاً بشرط أن يقوم الاستعمار بتغيير أهدافه ووسائله في هذا الاتجاه. على كل واحد منا أن يرسم الطريق الجديد الذي يقودنا نحو وضع اجتماعي أكثر عدلا..«[37]. ونجد فرحات عباس في كتابه (الشاب الجزائري) يدعو إلى تعليم المرأة ويعتبر ذلك موضوعا ذا أولوية كان ينبغي الانطلاق منه في مشروع المجتمع، لأن تعليم المرأة –في رأيه- له علاقة بموضوع الصحة في البيت وتربية الأولاد، إضافة إلى الدور الاجتماعي الذي تلعبه المرأة[38].
و. رأي صوالح
ونجد صوالح في كتابه حول المجتمع الأهلي يورد مقارنة بين تونس والجزائر في مجال تطور الذهنيات والعادات المتصلة بعلاقة الرجل بالمرأة فيقول:» حدثني أستاذ فرنسي أنه تناول الغداء في تونس مع أسرة عربية، وكان جالساً إلى الطاولة بين المرأة وابنتها، وكانت الأمور تسير تماما كما في الوسط الفرنسي«. ويشير صوالح إلى كون هذا "التطور" يعتبر نتيجة نشر التعليم في المجتمع، مما أدى إلى تطور وضعية المرأة، التي بدورها تؤثر في تربية الأولاد وتساهم في تناغم النسيج الاجتماعي وطالب صوالح » بتهذيب روح المرأة المسلمة وحمايتها من أنانية الرجل«[39]. و ركز صوالح في كتابه عن (المجتمع الأهلي) على ضرورة تعميم مدارس البنات على كل القطر الجزائري، هذه المدارس التي تقوم عليها معلمات لا يختلفن في تفانيهن عن المعلمين الأوربيين. وعدد صوالح النتائج الإيجابية لهذا التعليم بقوله: » عندما تتخرج البنت من المدرسة تقوم هي نفسها بممارسة تأثير داخل وسطها العائلي. ولا يخفى أنه لكي يحدث التطور الحقيقي والنهائي في ظروف المادية والمعنوية للحياة للمجتمع لا بد من قيام المرأة، مثلها مثل الرجل بدور الريادة، لأن المرأة في النهاية هي السيدة في المنزل، وطالما لم تقم المدرسة بتنوير عقل المرأة الأهلية ولم تقم بتهذيب سلوكها وعواطفها فإن عملنا باتجاه الحضارة سيبقى في السطح وليس في الأعماق..« [40]. كما انتقد صوالح بعض العادات التي لا تسمح للخطيب برؤية خطيبته سوى ليلة الدُّخلة[41].
2. الاهتمامات التربوية
كان بعض أفراد هذه النخبة يشعر بالتحولات التي عرفها المجتمع الجزائري منذ ثمانين سنة من الاحتلال، وكان كثير منهم خلال الثلاثينيات يشعر أن المجتمع الجزائري » لم يعد يمثل تلك الكتلة الهامدة وإنما نجده، في بعض المناطق، مليئا بالعزم على العمل وشغوفا إلى حياة جديدة وليس الأمر كذلك في بعض المناطق«، ونجد أن بعض أفراد النخبة الحداثية يعي أن الوقت كان يعمل يعمل في صالح الإندماج الاجتماعي، يقول الشريف بن حبيلس: » وماذا تعني ثمانون سنة في عمر التطور الفكري لشعب من الشعوب. فالتطور باتجاه مملكة الفكر الفرنسي –حسب تعبيره- يتم بواسطة محاربة منظمة للجهل والإكثار من عدد المدارس المخصصة لتعليم الأهالي..« [42]. وكان بن حبيلس يحاول أن يقنع الاستعمار بضرورة بناء المدارس نظرا للمصالح التي يحصل عليها لأسباب » أولها تكوين جهاز من الموظفين الأهالي الذي بدونهم يكون من الصعب جداً إدارة مصالح الجماهير من «الأهالي» التي لا يعرف عنها الأوربيون سوى الشيء القليل، وثانيا لأن فرنسا دخلت الجزائر بدعوى نشر الحضارة فعليها أن توفي بتعهداتها بتعليم الجزائريين وهكذا تكون قد حافظت على الشرف الفرنسي..«[43]. ونورد في هذا العنصر بعض الموضوعات التي تناولتها النخبة الجزائرية في المجالات التربوية.
أ. تشرد الأطفال
فبالنسبة إلى ضرورة الاهتمام بمصير الأطفال الجزائريين وتحسين وضعيتهم الاجتماعية والاقتصادية نجد صوالح يتحدث عن تشرد الأطفال الذين يسمون "يا ولد"، والذين يتنافسون لتلميع حذاء المعمر الأوربي من أجل مقابل زهيد. ويربط صوالح بين مصير هؤلاء الأطفال ومصير البنى الاجتماعية، فهؤلاء الأطفال –في رأيه- في معظمهم هم من اليتامى المتشردين وهم منحدرون من أمهات أرامل أو مطلقات، وبما أن أمهاتهم لم يتعلمن أية حرفة واضطرتهم التقاليد المتوارثة إلى البقاء في الأكواخ دون أي مدد من أجل العيش، فلم يبق أمامهن سوى ما يحصل عليه أولادهن من عملهم هذا، وأحياناً لا يتمكنَّ من الحفاظ على الرّمق سوى بمساعدة الجيران الذين لا يقلُّون عنهن فقراً. وبما أنه لا توجد مدارس لرعاية هؤلاء الأطفال المحرومين، فإن هؤلاء يتعلمون كل الآفات التي يوفرها العيش في الطرقات أين "يأكل القوي الضعيف"، وهنا-يقول صوالح- يتكوّن اللصوص والمجرمون، الذين يكون مصيرهم في النهاية السجن..هؤلاء الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية وسوء الملبس ويتعرضون للأمراض الفتاكة ويموت منهم كل سنة عدد كبير. ويثني صوالح على المبادرات التي صدرت من بعض المحسنين ببناء دورٍ متواضعة يجد فيها هؤلاء البؤساء الطعام ومبادئ القراءة والكتابة والحساب والأخلاق والأعمال اليدوية والفلاحية وغيرها، حسب خصوصيات الجهات التي تقام بها هذه الدور، وهنا يقترح أن تحرر المبادرات الفردية وأن يركَّز على الصدقات من المسلمين والمسيحيين وبمساعدة الخواص والبلديات المصالح العمومية. ويذكر كمثال على ذلك ما قام به الإيطاليون في هذا الاتجاه في إثيوبيا، ودعا صوالح فرنسا إلى السير على هذا المنوال لأن مثل هذا المجهود- في رأيه- سوف يكون أقل تكلفة من بناء عدد كبير من المستشفيات والسجون. كما يذكر صوالح كمثال على ذلك »الفكرة التي أدت إلى تأسيس درا رعاية اليتامى في حي سيدي مبروك بقسنطينة، والتي يتضمن ثلاثة فروع للتعليم المهني: النّجارة والسكافة والبستنة، وقد فتحت الأكاديمية بها أربع قاعات للتعليم العام وطالب (صوالح) بضرورة الاقتداء بمثل هذا الأنموذج في كل شمال إفريقيا«[44] .
ب. التعليـم المهــني
كما كان "مشروع" التعليم المهني للأهالي يحتل حيزا معتبرا في مقالات النخبة الحداثية فقد ركزت صحيفة "الوفاق" على كون المشرفين على مثل هذا النوع من التعليم لا بد أن يكونوا ملمين بشيء من اللغة العربية، ليتمكنوا من توصيل المعارف لأبناء الريف خصوصا. كما ألحّت على ضرورة توفير المطعم المدرسي، وعلقت على هذا المشروع آمالا عريضة في التحويل الفكري والمادي للمجتمع الجزائري إذا تم تطبيقه بالعناية المطلوبة[45].
وبالنسبة لقاضي فإن التعليم الذي ينبغي منحه للجزائريين ليس النوع الذي يجعل منهم علماء أو موظفين، ولكن- على الأقل- إعطاؤهم المبادئ الأولية للقراءة والكتابة، والمفردات الضرورية للتعامل اليومي، وكذا تعلم مبادئ الفلاحة والمهن الأساسية وكذا النّجارة والحدادة والبناء. وأن تتوفر المدارس التابعة للقبيلة أو للبلدية المختلطة إلى جانب قسم لتعليم القرآن على قسم للفرنسية وورشة للحدادة والنجارة والبناء. وفي رأي قاضي فإن » البدوي الذي يدخل هذه المدرسة في سن الثانية عشر سوف يتخرج بعد سنتين أو ثلاث وقد تعلم الفرنسية الأساسية وكذا الحرفة الضرورية لعيشه، وبعد عشر سنوات يستطيع هؤلاء الشباب بناء مساكن واسعة ونظيفة ويتعلمون طرق الحياة العصرية. ومن هنا ينشأ لديهم حب العمل والرفاهية والشرف. وبهذا تكون تلك المدرسة الصغيرة قد كونت رجالا قادرين على أن يصبحوا مواطنين فرنسيين ويمكن للنابهين منهم أن يذهبوا بعيداً في ميدان العلم، وأن يصبحوا أطباء ومحامين ومهندسين ولكن هذا لن يكون سوى استثناء من القاعدة..« [46] .
ولكن هذه المطالب المتعلقة بالتعليم عموماً كثيرا كانت تصطدم بمعارضة المعمرين يقول فرحات عباس:» كلما طالبنا بالمدارس قيل لنا بأنها لم تبنى من أجلنا، وبأننا لم نكن قابلين للتربية والتعليم.. لقد حطم الاستعمار ثقافتنا العربية دون أن يعلمنا-في المقابل- ثقافته..« [47].


3- الاهتمامات الاقتصـــادية
قبل أن نصل إلى المقترحات التي صاغتها النخبة الاندماجية في المجال الاقتصادي لا بد من الوقوف على الحال التي وصل إليها المجتمع الجزائري في هذا المجال بتأثير المشاريع الاستعمارية. يقول بن نبي يصف دور الربا في تحطم البنى الاقتصادي للمجتمع الجزائري خلال العشرية الثانية من القرن العشرين:» ..وأعمال يهود قسنطينة بدت في ازدهار كبير يدرُّ عليهم الذهب في تلك الظروف المضطربة، فكانوا يقرضون الأموال بفوائد تصل إلى 50% أو 60% سنويا وكثيراً ما كان سيدي المسلم يُوَقّعُ على بياض السندات والأوراق التي يقدمها تجار شارع فرنسا. وفي الفترة بين عامي 1920 و 1925 تمت في تلك الحوانيت تصفية ما تبقى من ثروات لدى عائلات قسنطينة العريقة في برجوازيتها. وفي تلك الحوانيت أيضا كان الفلاحون يتخلون عن آخر قطعة من أراضيهم في مقاطعة سطيف أو قالمة أو عنابة، والطريقة كانت واحدة، إنها التوقيع على سندات بيضاء. وهذه الإجراءات فرضت حصاراً مخيفاً حول ملكية الجزائريين أبناء البلاد. وقد أصبحت حوانيت اليهود عبارة عن واسطة لانتقال الملكية من أيدي الجزائريين إلى أيدي المعمرين وكان ذلك سهلا..«[48]. ونشرت جريدة (النجاح) سنة 1929 مقالا بعنوان "كيف يستولي المرابون على أموال الأهالي يقول كاتب هذا المقال: » الربا وما أدراك ما الربا؟! داء عظيم هتك أموال الأهالي [49]«.

ذكر لمبير في مذكرة رفعها إلى لجنة التحقيق التابعة لغرفة النواب حول الوضع العام للجزائر في سنة 1937 أنه كان هناك حالة من البؤس الشديد خصوصاً في منطقة الهضاب العليا حيث كان مردود القمح ضعيفاً. كما ذكر أن البطالة وصلت إلى المدن وطالت المعمرين و الأهالي ، ولم تعد الحكومة تهتم ببناء المدارس والمستشفيات، مما جعل كاتب التقرير يتحدث عن أزمة أخلاقية في الجزائر[50]. ويهمنا هنا تتبع مقترحات النخبة الحداثية الاندماجية بالنسبة إلى هذه الموضوعات الاقتصادية لأنها تبرز الشق الاقتصادي في تصوّرهم لمشروع المجتمع.
أ. نظـام الخماسـة
يعتبر الشريف بن حبيلس أن المجتمع الجزائري (الأهلي) يتكون من الأعيان ومن الفلاحين، ويرى أنَّ الفئة الأخيرة هي الأكثر أهمية »نظرا لكونها الفئة العاملة التي يقوم على كاهلها نجاح المشروع الاستعماري في الجزائر«[51]. كما نجد نفس الكاتب ينطلق من مصادرات معينة تمثل نظرته للتطور الحاصل في المجتمع الجزائري، فهو يعتقد أن الجزائر خلال العشرية الأولى من القرن العشرين كانت تمر بمرحلة رخاء لم تعرفها من قبل، ورأى أن ذلك ناتج من تظافر جهود الموظفين والصناعيين والتجار والفلاحين، دون تفريق على أساس الجنس أو الدين. كما يرى أن الفلاح الجزائري[52] استفاد من هذا التطور الحاصل رغم حرمانه من بعض الامتيازات[53].
وطالب بن حبيلس، سنة 1913، بإصلاح نظام "الخماسة" وطلب من الإدارة الفرنسية"حامية الجزائريين" اتخاذ إجراءات صارمة لمنع استغلال الفلاحين، وبأن لا يستعمل ملاكُ الأراضي سوى الأجراء اليوميين، وأن تفكر المصالح الفلاحية في تشكيل تعاونيات إنتاجية واستهلاكية من الفلاحين أنفسهم، ويكون هدفها تلبية حاجيات الفلاحين من الضروريات بأسعار معقولة، وبذلك يكون نظام الخماسة-في رأيه- قد تغير بفعل تغير علاقات الإنتاج[54].
وكان بن حبيلس، سنة 1914 ، من بين النخبة الجزائرية التي دعت إلى هجرة الفلاحين إلى أوربا للقضاء على نظام "الخماسة"، وكان يدرك أن احتكاك الفلاحين الجزائريين بالأوساط العمالية في الخارج هو أكبر عامل من عوامل الوعي والتحرر من الأحكام المسبقة[55] ، وذلك ما يسمح لهم، عند العودة إلى الجزائر، بالمساهمة في التنمية بواسطة ما حصلوا عليه من تكوين. كما أنهم بواسطة الهجرة-يرى بن حبيلس- يمكن أن ينافسوا العمال القادمين من إسبانيا وإيطاليا وألمانيا وأن يحافظوا على العملة الفرنسية في فرنسا، كما يمكنهم ذلك من تحسين أوضاعهم المعاشية ويمكنهم أن يدخروا قدرا من المال[56]. كما انتقد بن حبيلس الإدارة الاستعمارية التي كانت تحرم «الأهالي» من الأجور التي يستحقونها بسبب العمل المساوي لعمل المعمرين ويرى أن هذا نوع من الجور ينبغي رفعه عن الجزائريي،ن وأن تكون القاعدة المعمول بها هي: » لكل حسب كفاءته في العمل[57]«.
ولكن هذا التنظير من بن حبيلس لصالح ترقية الفلاحين لا يخفي عنا تحمسه لمشاريع المعمرين، إذ نجده يقول بأن « التعمير أفضل وسيلة للتقارب بين الطبقتين العاملة والمالكة(..) إن التعمير جلب للبعض الثراء وللأغلبية حالة من الرخاء وللجميع كثيرا من الراحة ومزيدا من النظافة »[58]. ويعدد بن حبيلس مزايا التعمير الذي طور-في رأيه- بصورة نهائية الوسائل التقنية المستعملة في الفلاحة، وزاد من عدد قطعان الماشية ومردودها، كما زاد في رواتب العمال في الحقول، واستصلح الأراضي، وزاد في الميزانية العامة، وهذا دون الحديث عن الطرقات والسكك الحديدية التي تم شقها والتي تعتبر لوحدها-في نظر بن حبيلس- عاملا حضاريا هاما.. «[59].
ودعا بن حبيلس إلى إصلاح الإدارة التي تشرف على شؤون «الأهالي » في البلديات المختلطة خصوصا بالحرص على حسن اختيار القُيَّاد[60] من بين العائلات الكبيرة، والتي يمكنها بواسطة سمعتها وثرائها أن تمارس تأثيرا كبيرا على «الأهالي» مثلما كان عليه الأمر في وقت المكاتب العربية. وإذا تعذر تحقيق هذا الاقتراح –يقول بن حبيلس- فلا بد من الحرص على عدم منح رتبة القايد سوى للعناصر التي تستحق، بواسطة كفاءتها وولائها، ثقة السلطات العمومية[61]. ودعا بن حبيلس إلى محاربة آفة الرشوة التي كان القياد يتقاضونها من «الأهالي» من أجل الوصول إلى الثراء السريع، وطالب باستعمال جميع الإجراءات الإدارية ضد هؤلاء القياد الذي يساهمون في بؤس الشعب وشقائه.
ورأى فرحات عباس أن الحضارة تعني العمل للدفاع عن المجتمع ضد الآفات المتمثلة في الخمر والدعارة والمجاعات والأمراض، كما أنها تعني- في نظره- تنظيم العمل لأجل رفاهية الجميع[62]. ودعا هذا الأخير إلى تكوين اليد العاملة وضمان أجرة للعامل تعتبر تشجيعا له على العمل ومصدرا للأمن في البلاد[63]. وبعد الاحتفالات المئوية صارت انتقادات فرحات عباس للنظام الاجتماعي وللإقطاع الذي يمثله المعمرون أكثر شراسة[64]. وكان فرحات عباس يؤمن أن العمل السياسي لا يعني فقط الصراع لانتزاع السلطة، ولكنه الصراع من أجل تحسين وتعديل العلاقات الاجتماعية، والتربية المدنية للجماهير وكذا ترقية العدالة الاجتماعية[65]. وكان يؤمن أن بناء "الجزائر الفرنسية" لا بد أن يمر عبر تعليم الجزائريين وربطهم اقتصاديا وإداريا مع فرنسا. كما أن قيادة الجزائر نحو الحضارة تمر بتمدين أهلها وتحضيرهم، وكان يرى أن أخطر ما فعله الاستعمار هو أنه خلق "مجتمعا مصطنعا" يمثله المعمرون الذي يقومون باستغلال أصحاب البلاد الأصليين [66].
ب. القـرض الفلاحـي
اعتبر بن حبيلس " صندوق الادخار" الفلاحي من أهم المؤسسات التي تعمل لصالح الفلاحين « الأهالي» والتي يمكن أن تعقد عليها كثير من الآمال في حل مشكلات الفلاحين، ودعا إلى توسيع انتشار هذه المؤسسات على المستويات المحلية. ورأى بأن ذلك سيكون خطوة هامة في سبيل التعاضد بين الفلاحين[67]، الذين من المفروض أن يكونوا من أوائل المساندين لفكرة التّعاضديات باعتبار الإسلام يدعو إلى هذه المبادئ الاشتراكية [68].
ولم يكن بن حبيلس وحده هو الذي يعقد هذا التوازي بين اهتمامات الحاضر وبُنى المجتمع في الماضي، فإننا نجد صوالح يتحدث عن تاريخ الشركات الأهلية للادخار والإغاثة والقرض التعاضدي، ويرى أن »جذور هذه المؤسسة كانت موجودة في الجزائر قبل دخول الفرنسيين؛ فبالنسبة إلى الزّكاة (العشور) كانت القبائل تضع قدرا منها في المطامير لأجل مساعدة المحتاجين خلال سنوات المجاعات، خصوصا في بلد كالجزائر يتميّز بمناخه المتقلب وبشعبه الذي لا يعرف الادخار«. ولكن صوالح يرى أن هذه الكيفيات التقليدية لا تكفي لمواجهة احتياجات الفلاحين بدليل أن السلطات الفرنسية في عهد الحاكم العام تيرمان أنشأت مؤسسات أهلية للادخار بقرار 29 ماي 1884 ، وقام قانون 14 أفريل 1893 بالاعتراف بكون هذه المؤسسة ذات طابع عمومي. وعدد صوالح وظائف هذه المؤسسة التي تقدم المساعدة الظرفية للفلاحين المحتاجين من «الأهالي» الذين تصيبهم الجوائح والأمراض والحوادث، كما تسمح هذه المؤسسة، عن طريق القرض السنوي من الأموال والحبوب للفلاحين والخماسين، بالمحافظة على فلاحتهم وتعهدها وتطويرها بتطوير وسائلها وتطوير عدد المواشي. لقد كان صوالح يعقد أملا كبيرا على هذه المؤسسة التي » تهدف إلى مكافحة البؤس والربا وعدم الادخار..« ويرى أنها، رغم النقائص الناتجة عن جشع الإدارة، حققت كثيرا من الأهداف المرجوة منها من خلال مساعدتها لجمعيات الفلاحين التي كانت تهدف إلى الرفع من مستوى الفلاحين وربطهم بالأرض ومحاربة الفقر[69].
وكان المستشارون البلديون من هذه النخبة الأهلية في المدن قد فوضوا من قبل فدرالية المنتخبين للاهتمام بهذه المسائل ويذكر حداد أن هذا الدور في قسنطينة كان يقوم به المستشار البلدي توام شعبان بمساعدة توزان الطاهر و بن قلاي براهيم المسيران للشعبة المحلية لقدماء المحاربين المسلمين، التي كانت تعد في صفوفها أكثر من 500 منخرط. وظهر اهتمام النخبة الحداثية في فدرالية المنتخبين بعمالة قسنطينة بهذه النواحي الاقتصادية بمناسبة انتخاب الغرفة الفلاحية، إذ كان لهذه المنظمة ممثلوها في هذه الغرفة، وكانت قد عملت على تحديد نشاطات اقتصادية لصالح الفلاحين من الجزائريين وكذلك لأصحاب الحرف والنخبة.
وكانت وجهة نظر فدرالية المنتخبين أنه لا بد من العناية الجدية بالقرض الفلاحي، بحيث يتمكن الفلاح من الحصول على المساعدة المالية الضرورية لفلاحة حقله أو تعويض قطعان الماشية التي يهلكها الجفاف. وكانت الفدرالية تندد بقانون الغابات[70] الذي كانت له نتائج جد سيئة على الفلاحين إذ كان يحرمهم من المراعي ويؤدي إلى هلاك مواشيهم. وذكرت صحيفة (صوت المستضعفين) أن طاهرات التقى، سنة 1936 ، الحاكم العام في باريس، و اقترح عليه أن تقوم حكومته بمشروع يقضي بتثبيت السكان في المدن على أراضي الدومين التابعة للدولة، وعرف منه أن الحكومة تنوي تطبيق برنامج اشتراكي يقضي بتحويل بعض الدواوير إلى بلديات تسيرها الجماعات المحلية المنتخبة باقتراع عام. وكان طاهرات يتمنى أن ينجح برنامج الجبهة الشعبية الذي قام هو نفسه-حسب قوله- بالتعاون مع لجنة شمال إفريقية بصياغته بمناسبة المؤتمر الاشتراكي المنعقد بين 30-31 و أول ماي 1936، والتي لم تكن وثيقة المؤتمر الإسلامي سوى اقتباساً من أهم محاورها فتكون بذلك »حكومة السيد ليون بلوم استلهمت-حسب طاهرات- من الوثيقة التي أجمع عليها مؤتمر حزب S.F.I.O « وكان طموح هذا المؤتمر أن تشهد سنة 1937 انخفاضا في نسبة البطالة وتعيد إصلاح الأوضاع الاقتصادية والأمن في البلاد وتؤدي إلى تجاوز جميع صعوبات المرحلة[71] .
وكانت مدينة قسنطينة تعد بمثابة عاصمة للشرق الجزائري وقطبا اقتصادياً ومركزا إداريا وذلك بخلاف وهران والجزائر العاصمة[72] التين اشتهرتا بكونهما مدينتين ذات موانئ. ولكن في مقاطعة قسنطينة توجد مدينة عنابة وهي مدينة صناعة وموانئ، تحيط بها أراض خصبة لا تقل غنى عن سهول المتّيجة. وكانت الأغلبية من السكان تعيش من الفلاحة، ولذا فإن مشروع فدرالية المنتخبين المسلمين لعمالة قسنطينة، والتي كان أغلب أعضائها من النخبة الحداثية،لم يهمل هذا الجانب المتعلق بعلاقة الفلاح بأرضه والأزمات المختلفة التي تحدث بسبب نقص الإنتاج الزراعي. وخلال شتاء 1938-1939 لم يكفّ المنتخبون عن التدخل لدى المصالح الفلاحية المعنية (SIP ) للحصول على مساعدات لصالح الفلاحين لمواجهة الأزمة التي نتجت من نقص المردود الفلاحي[73]. فقد ذكر بوكردنة من المجلس العام للعاصمة بمناسبة انتخابات 23 أفريل 1939 أن فدرالية المنتخبين للعاصمة نشرت في الصحافة مطالبها المتمثلة في: محاربة البطالة، وتحسين أجور العاملين في الفلاحة، وتحسين طرق توزيع المساعدات المالية على الفلاحين، وتجهيز الأرياف بوسائل العمل، وتطوير الصناعات الحرفية، ومنح قروض لفتح مدارس تعليم مهني وبناء منازل ذات كلفة مناسبة لعائلات العمال[74].

ج. السكـن الاجتماعـي
توصل محمد الصالح بن جلول[75] مع ثلة من أصحابه[76] أعضاء المجالس العامة و المفوضيات المالية إلى تأسيس جمعيات تدور كلها حول فدرالية المنتخبين لعمالة قسنطينة. وكان من هذه الجمعيات لجنة المساكين بقسنطينة ولجنة القرض الفلاحي[77] و لجنة الدفاع عن الفلاحين الأهالي وجمعية البيت العائلي بقسنطينة، من أجل بناء منازل نظيفة وذات ثمن في متناول الأهالي، وكان هناك جمعيات أخرى تعمل في مناطق أخرى من عمالة قسنطينة[78]. وبخصوص السكنات للفلاحين قامت فدرالية المنتخبين بمحاولات هامة في هذا المجال إذ كانت ترى أنه بتوفير السكن اللائق للأهالي » يمكن أن نمنحهم فرصة الانخراط في نمط الحياة الأوربية إذ يضطر إلى العمل أكثر وبالتالي إلى الاستهلاك أكثر والمساهمة بذلك في الحركية الاقتصادية وثروة البلاد.«. وخلاصة القول فإن فدرالية المنتخبين لعمالة قسنطينة كانت ترى أنه إذا أمكن تنظيم القرض الفلاحي بطريقة فعالة وإذا أمكن إصلاح قانون الغابات وتوفير برنامج للسكن الأهلي فإنه يمكن تحسين وضعية المجتمع الجزائري بطريقة محسوسة[79].
ويستشهد صوالح بتجربة بيجو الذي اهتم بمسألة السكن بالنسبة للأهالي ، إذ طلب بناء قرى عربية نموذجية واقترح الاعتماد على النمط المعماري الموريسكي الذي يتماشى مع عادات البلد، وتكون أسعاره معقولة » وبما أن سكان الأرياف قد افتقروا نتيجة المصادرات والمتجارة في العقار، وبسبب عدم ادخارهم فقد حدثت هجرة كبيرة باتجاه المدن الكبيرة بحثا عن العمل والحياة السهلة وبذلك تكونت التجمعات القصديرية حيث تقوم النساء بجلب الماء بواسطة أواني قصديرية الأمر الذي جعل من هذه السكنات موطنا للأمراض وملجأ للخارجين عن القانون. وبعد الحرب العالمية الأولى حدثت حركة في أوربا باتجاه تحسين سكن العمال وانعكست هذه الحركة على الجزائر فلماذا لا يستفيد «الأهالي » من هذه الفرصة يقول صوالح : ألا يتعلق الأمر هنا بعمل إنساني وذي طابع اجتماعي؟ فبتجميع العرب والبربر في سكنات لائقة يؤدي بالضرورة إلى زيادة تفانيهم في العمل ونقص في نسبة الوفيات وزيادة الاستهلاك مما يساعد على تطوير التجارة. ويذكر صوالح بهذا الصدد تجربة بلدية (المقرة ) التي تقع على بعد 35 كلم من سيدي بلعباس وتجربة سطيف والعفرون عند الآباء البيض التي تعد من النماذج المشجعة في هذا الاتجاه وكان من نتائجها: تحسين الظروف المعيشية للأهالي وفي العادات وتهذيب في الأرواح وعرفان تجاه القائمين بهذا الإنجاز وهم يطالبون بتوسيع هذه التجربة[80].
ويهمنا هنا أن نتابع صدى البرنامج الذي وضعته النخبة المتفرنسة لدى السلطات الاستعمارية، فتذكر المصادر بهذا الصدد أن البرنامج الاقتصادي الذي بلورته الحكومة العامة لصالح «الأهالي» أخذ في خطوطه العامة وفي بعض جوانبه في اعتباره مطالب المنتخبين المسلمين؛ فبالنسبة إلى أجور الفلاحين مثلاً صدر في أكتوبر 1938 قرار يحدد سلم الأجور المفروض على ملاك الأراضي كما اتخذت قرارات بتخصيص حصص مالية وضعت تحت تصرف شيوخ البلديات المختلطة كما صدرت قرارات أخرى لإعادة إدماج الفلاحين الذين ليست لديهم أراض فلاحية في بعض النواحي من مقاطعة قسنطينة وخصوصا في بلديات كاروبير(*) وعين امليلة[81]. ولكن رغم الإرادة المعلنة من الحكومة العامة لتحقيق مطالب النخبة بالنسبة إلى النواحي الاقتصادية فإن إدارة شؤون الأهالي كانت تعرقل هذه المشروعات، وكانت تريد أن تستمر سيطرتها على الأهالي، إضافة إلى ذلك هناك ملاك الأراضي من المعمرين و هناك المسيطرون على الشؤون المالية » وكل أولئك الذين ترتبط مصالحهم باستغلال الشعب« [82].
5. إصـلاح قانـون الغابـات
اقترح حاج الشريف قاضي ، سنة 1917، برنامجاً من أجل التقدم في إطار الإدماج ركز فيه على العدل من طرف الإدارة المركزية وأعوانها في جميع المستويات في معاملة «الأهالي» وذلك لأجل تغيير ذهنياتهم، كما اقترح التخفيف قدر الإمكان من التعقيدات في مجال العدالة والإدارة لكي تتناسب مع طريقتهم التبسيطية في التعامل مع الأشياء. وبما أنهم شعب يميل إ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
النُّخبـــــة الجزائريـــــة المفرنسة بين 1900-1940 مرجعيات الحداثة واهتمامات المجتمع
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» يومية ممتازة من 1900 إلى 2078
» موجز تاريخ الصين

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى قالمة للعلوم السياسية :: ******** لسا نـــــــــــــــــــــــس ******** :: السنة الثالثة علوم سياسية ( محاضرات ، بحوث ، مساهمات ) :: عـــــــــام-
انتقل الى:  
1